كأنها صورة بلاد أخرى

نجم والي

إنها لمفارقة غريبة، بأنني لم أتحدث طوال سنوات المنفى الألماني والتي تعدت السبعة والثلاثين عاماً مع أحد عن الحياة اليومية في العراق وتفاصيلها بمثل هذا القدر الذي تحدثت به عنها كلما التقيت بأحد أولئك الشيوخ اليهود الذين وُلدوا في العراق الذي غادروه قبل قرابة سبعة عقود، فحتى الآن وعند وصول قادم جديد من العراق إلى ألمانيا، أحد المعارف أو شخص قريب من العائلة كانت الأحاديث تبدأ وتنتهي بسرعة تدور عادة باتجاه واحد قبل كل شيء: جعل القادم الجديد ينسى بسرعة ما تركه وراءه في بلاده من ألم ومعاناة ومصائب، أحاديث خالية حقيقة من تلك النوستالجيا التي حضرت في الأحاديث التي جرت لي مع هؤلاء الشيوخ. لا أقصد هنا طبعاً الأحاديث العابرة التي تعبر عن تجربة جيدة عاشها أحدهم في العراق كما حدث لي مع سائق التاكسي الفلسطيني المولود في القدس الشرقية والذي حدثني بشغف عن أيام شبابه قبل ثلاثين سنة عندما عمل في بغداد، كانت القدس الشرقية آنذاك ما تزال من الناحية الشكلية تابعة «إدارياً» للمملكة الأردنية الهاشمية وهذا ما جعله يستطيع السفر إلى هناك، بجواز أردني، وعندما تسللت السياسة قليلاً إلى حديثه انتبه وغيرّ الموضوع، لأن أمراً واحداً أراد أن يحدثني عنه كما قال لي، عن البصرة وبغداد، عن العراقيين، كم هو آسف للموت المجاني الذي يتعرض له الناس هناك، وإذا فكر المرء جيداً فإن مشكلة فلسطين ستبدو لاشيء بالنسبة إليه إزاء ما يحدث في بلاد وادي الرافدين، قال لي وعندما نزلت من السيارة رفض أخذ أجرة التاكسي، كلا، فهذه الأحاديث «الإيجابية» التي تذكر بأيام الخير في العراق، طيبة ناسه وجمال الطبيعة فيه يمكن أن يصادفها المرء عندما يصعد التاكسي في القاهرة أيضاً، خاصة وأن العراق استقبل في أواخر السبعينات وحتى أواسط الثمانينات أكثر من 3 ملايين من القوى العاملة المصرية، ولكن ما أقصده هنا هو تلك الأحاديث التي تحوي تفاصيل أكثر دقة، تفاصيل تذهب إلى العمق، تفاصيل لها علاقة بـ «الزمن الضائع» إذا استعرنا عنوان رواية صديقنا الفرنسي مارسيل بروست، تفاصيل تبدأ من طريقة الاستخدامات اللغوية مروراً بتفاصيل أنواع الأكلات المنسية وانتهاءً بالأغاني القديمة، كل تلك التفاصيل التي نامت في مكان ما من الذاكرة، سائق التاكسي تحدث معي عما عاشه في عراق السبعينات، فترة خمس سنوات تقريباً، تحدث بلهجته الفلسطينية التي طعّمها ببعض الكلمات العراقية، لكن عندما يلتقي المرء بناس هاجروا طواعية (أو مجبرين)، ناس اكتسبوا هوية جديدة في بلاد أخرى غير تلك البلاد التي وُلدوا فيها ظناً منهم أنهم سيسيرون بهذا الشكل على خطى أجدادهم القدماء الذين وُلدوا قبلهم بألفي عام، لكن ما أن يصحوا يوماً من خدر الحياة الجديدة، عندما يكبرون، عندما لا يعود فيهم شيء من الطفولة يكتشفون أن الهوية القديمة التي أُريد لهم (أو ظنوا هم) نسيانها ما تزال تظهر مثل ضوء فنار بعيد تومض في «ظلمة» حياتهم من حين إلى آخر حسب سنّ الشخص أو حسب شخصية المخاطب أو حسب تجربته الحالية التي يعيشها، وهو هذا الضوء المتسرب إلى حياتهم في البلاد الجديدة مما جعلهم يعيشون في بلادين: في إسرائيل، وفي العراق، وكأنهم قلبوا كلمات الأغنية التي رددها أجدادهم الأوائل قبل ألفي عام، «على أنهار بابل جلسنا…»، هذه المرة يغنون وقد أخذتهم نوستالجيا الحنين لتنفس هواء الطفولة: «على نهر الأردن جلسنا.. وتذكرنا بابلون». ذلك هو الانطباع الذي أحصل عليه كلما التقيت باليهود الذين هاجروا من العراق، بعضهم هاجر قبل نصف قرن، وبعضهم أكثر أو أقل. في كل القصص التي رووها أعادوا لي ذكرى بلاد أُريد لها أن تكون مختلفة، بلاد كان يمكن أن تكون كل شيء باستثناء الصورة التي تحولت عليها اليوم.