كارافاجيو المتمرد 1-2

نجم والي

لمعرفة التطور الذي شهده تاريخ الفن في أوروبا والعالم، يكفي التفكير بالخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء في العالم والذي جاء فيه، أن أكثر من خمسمائة شخص من القرية التي جاء منها الرسام الإيطالي كارافجيو، والذي يحملون الإسم العائلي ذاته، أعطوا عينات من لعابهم للدوائر الطبية في إقليم بوبونيا في إيطاليا، وهم لم يفعلوا ذلك للحصول على منفعة مادية في حال ثبوت صلة قرابة مع أحد عمالقة الرسم في تاريخ الرسم في إيطاليا والعالم، بل لكي يساعدوا المختصين بتاريخ الفن في التأكد من أن الجثمان الذي عثروا عليها قبل فترة قريبة، يعود بالفعل لكارافاجيو، وربما أيضاً لمعرفة الأسباب الحقيقية التي قادت إلى موته،. السلطات الإيطالية لجأت إلى ذلك مضطرة لأن الفنان، الذي تمر في هذه الأيام ذكرى أربعة قرون على وفاته، لم يتزوج ولم يترك ذرية وراءه، فضلاً عن ميله المعروف للجنسية المثلية.
القصة تلك هي دليل آخر على تصاعد الإهتمام بكارافاجيو وهي حلقة واحدة من حلقات أخرى مفقودة لها علاقة بشخصيته التي تشغل مؤرخي ونقاد الفن بشكل غير مألوف. وبقدر ما كان حتى جيلين ماضيين من الصعب على أحد في مكان ما في العالم الإدعاء بأنه يجهل معرفة الرسام، النحات والمخترع..و..و.. الإيطالي ميخائيل أنجيلو، فإن من غير الممكن اليوم لمن له علاقة حتى وإن كانت بعيدة بتاريخ الفن، الإدعاء بأنه لا يعرف الفنان، القاتل والرسام المعاصر مبكراً: كارافاجيو.
ولمعرفة تصاعد الاحتفاء غير العادي بكارافاجيو في السنوات الأخيرة، ومنذ الاحتفاء بذكرى مرور اربعة قرون على وفاته، على المرء أن يتصفح المقالات والبحوث الخاصة به التي تزدحم بها الصحف المشهورة في العالم، سواء تلك التي كتبها مراسلون صحفيون عالميون من إيطاليا، أو تلك التي كتبها نقاد مختصون بشؤون تاريخ الفن، لدرجة أن المرء يكتشف بأن القيمة الشعبية للرسام والتي هي في تصاعد دائم، لا يمكن مقارنتها إلا بما حصل في الماضي مع ميخائيل أنجيلو، الذي وُلد بسبع سنوات قبل كارافاجيو ومات قبله والذي كان حتى سنوات قليلة هو الشخصية المحورية التي لا يمكن مقارنة شعبية فنان آخر من جيله به. اليوم لا يذهب العديد من نقاد الفن في رأيهم الذي يقول إن كارافاجيو تجاوز ميخائيل أنجيلو في فنه وحسب، بل هذا ما يقوله واقع الحال أيضاً، إذ منذ أواسط الثمانينيات ظهرت بشكل واضح دراسات ومقالات وكتب عن كارافاجيو فاقت في مجموعها تلك التي ظهرت عن ميخائيل أنجيلو. ولا يشمل هذا الأدب المختص بالفنان كارافاجيو وحسب، بل يتعدى ذلك إلى الأعمال الإبداعية التي أنجزت عنه في مجالات أخرى. شخصية كارافاجيو تحولت في العقدين والنصف الأخيرين إلى مادة أو ثيمة إعتمدت عليها روايات وأفلام عديدة، وحتى اليوم لم تتوقف الموجة تلك حسب الإحصائية التي قام بعملية جرد لها مؤرخ الفن الكندي فيليب سوم. شخصياً ما أزال أتذكر الفلم الإنكليزي البارع الذي شاهدته عام 1986 في إحدى صالات السينما في مدينة هامبورغ في ألمانيا. الفلم الذي أخرجه المخرج البريطاني ديريك جارمان والذي تناول حياة رسام عصر الباروك، كان خليطاً متقناً وعبقرياً حوى الكثير من الجنس والجريمة والثقافة العالية، وهذا الفلم في الحقيقة هو الذي شجع في النهاية علماء الآثار في جامعة بولونيا ورافينا الإيطاليتين بأن يشرعوا برحلة بحث لم تنته حتى اليوم من أجل العثور على جثة الرسام الذي مات في عام 1610 في بورتو أيكولو والذي فشلوا للاسف حتى اليوم في العثور عليها، رغم أن ما توصلوا إليه من حين إلى آخر احتل الصفحات الأولى من الصحف الإيطالية.
ترى ما هو سر هذا النجاح الذي بدأ يتراكم منذ قرابة عقدين ونصف؟ هذا ما سيبحث به عمود الأسبوع القادم!