كارافاجيو المتمرد

نجم والي

للإجابة عن سؤال: ما هو سر هذا النجاح الذي بدأ يتراكم منذ قرابة عقدين ونصف في ما يخص كارافاجيو؟ الذي ذكرناه في عمود الأسبوع الماضي، يدعونا المؤرخ الكندي مثلاً بالبحث عن جواب عن ذلك عند المؤرخين أنفسهم. عن الرسامين، يُقال مثلاً، إن كل رسام يرسم نفسه في لوحاته، أمر شبيه، حسب المؤرخ الكندي: كل باحث، دارس في تاريخ الفن يكتب عن نفسه. كارافاجيو الذي مات دون أن يترك وراءه ملفاً يحوي على تخطيطاته أو مشاريع لوحاته، بل لم يترك وراءه حتى دفتر يوميات، تحول إلى حرث صالح لإسقاطات الباحثين، لما تمنوه. فمنذ أن منحه الناقد الفني روجر فراي في عام 1905 لقب «المعاصر الأول»، لأنه انطلق في إبداعه الفني من الثورة على التقاليد، تحول كارافاجيو إلى الفنان اللامنتمي المتمرد على كل التقاليد وعبر العصور، بلا منازع، بالضبط كما أراده مؤرخو الفن المعاصرون. ليس من الغريب أن يقارنه البعض بشي غيفارا الأكاديميين، نموذج لرغبات البعض بالعثور على فنان أكثر تمرداً من رسام شغل العالم ويشغله حتى اليوم ايضاً، ميخائيل أنجيلو، الذي عُرف عنه علاقاته الجيدة أو على الأقل غير الإشكالية مع الكنيسة ومع طبقة النبلاء في عصره.
طبعاً اللوحات التي رسمها كارافاجيو غذت هذا التفسير، وليس المقصود هنا اللوحات الكثيرة التي نُسبت له، بل المقصود هنا هو اللوحات التي أصبحت من حكم المؤكد تحمل بصماته، والتي جمعها أسلوب واحد: اختلافها عن عصرها بتكنيكها وبطريقة تنفيذها، أمران ميزا الرسام عن بقية زملائه في عصر الباروك، من الضروري التأكيد هنا أيضاً، أن ربما بعد رامبرانت، ليس هناك من رسام زُيفت لوحاته، أو حملت توقيعه «المزيف»، أو ليس هناك لوحات نُسخت من لوحات له، مثلما حدث للوحات كارافاجيو، هناك بعض اللوحات عُثر على ثلاث أو أربع (أو ربما اكثر) نسخ منها.
إحدى تلك اللوحات مثلاً هي لوحته المشهورة التي حملت عنوان «إلقاء القبض على المسيح»، التي ظهرت في المتحف الوطني في العاصمة الأيرلندية دبلن عام 1990. من هذه اللوحة مثلاً هناك على الأقل حتى الآن نسختان أخريان! من المفيد القول هنا، إنها أكثر اللوحات التي تشير إلى حداثة أسلوب الرسام الإيطالي، والتي ظهر فيها الرسام ذاته يحمل مصباحاً، يقف خلف الجنود الرومان الذين أمسكوا بالمسيح الذي ظهر خائفاً ومذهولاً يفصله عن الجنود «يهودا». يهودا يحاول تقبيله، لكن المسيح ينأى بوجهه، أما القديس يوهانيس، أصغر حواري المسيح الإثني عشر في العشاء الأخير، فيصرخ مستغيثاً وقد أسند ظهره للمسيح، كيف لا يكون الرسام في هذه الحالة الأكثر معاصرة في فترته، وهو يرسم نفسه في اللوحة ممثلاً عنا نحن المشاهدين؟ إنه الشاهد على الجريمة الذي يحمل المصباح، ويقول، تلك هي الجريمة، لكنه باستثناء ذلك لا يقول شيئاً، إنها قلة الحيلةإ أنها أيضاً الإدانة لمن يرى ويسكت، «اعتقال المسيح»، هي واحدة من أكثر لوحات كارافاجيو معاصرة.
ليس من الغريب أن شعبية الرسام المتصاعدة تأتي في نفس الوقت أيضاً من الإعجاب الذي تثيره شخصيته المحطمة للتابوات، الشخصية المتمردة التي لا تتكل على كل القواعد التي عرفها المجتمع في زمنها، الصورة تلك وللمفارقة، غذاها منافسه الفنان جيوفاني باليونة، الذي وشى بالفنان في مناسبات عديدة، وصوره كمجرم لا يهدأ. وبدون أن يدري وضع جيوفاني باليونة الحجر الأساس لشهرة زميله الذي ظن أنه سيُجهز عليه بتلك الطريقة. فإذا كان في الماضي شرط الإبداع هو التمتع بسيرة حياة فاضلة من أجل إنتاج أعمال فنية ناجحة، فإن الأمر إختلف منذ القرن التاسع عشر، لقد أصبح شرط الإبداع العكس من ذلك تماماً. كلما سقط الفنان في الهاوية كان عمله الفني أكثر صدقاً وأكثر قرباً من الحياة، كلما كانت حياته حطاماً، كان عمله الفني أكثر قوة في التعبير وأصالة. ذلك ما عرفناه من روائي «مقامر» مثل دوستويفسكي، وذلك ما عرفناه من قس «متمرد» مثل تولستوي، وذلك ما أراد تعليمنا إياه أيضاً صبي صعد إلى «مركب سكران» آرثر رامبو. لنرى ذلك: من أجل رسم مريم المجدلية أتى كارافاجيو بامرأة من الشارع، ولكي يرسم القديس يوهانيس جلب صبياً يعيش في الشارع، فأية سمعة كان سيحصل عليها في زمننا، لو أنه رسم الاثنين كما صورهما الرسامون قبله على جدران الكنائس؟