كارمن من بطلة المأساة إلى رمز الأنوثة

بقلم: صوفيا سميث غالير
ترجمة ومراجعة: رسل الصباح

إذا سبق لك أن شاهدت أداءً أو حتى مقطعاً لأوبرا كارمن، فستبدأ على الأرجح في استرجاع لحن هابانيرا أو توريادور لبيزيه في ذاكرتك. ومن الأسهل أن نستذكر مشهد كارمن الأول- وهي تغني بكل جاذبية وأنوثة أغنية «الحب» إلى الجنود خارج مصنع السجائر- أكثر من التفكير في الأغنية في الفصل الثالث حين تتنبأ بطاقات التارو بوفاتها الوحشية. ومن أكثر الشخصيات الثابتة في هذا العمل هو قاتل كارمن- دون خوسيه، الرجل الذي تنبذه هي بلا رحمة. لكن في هذه المرة تم إعادة كتابة شخصية كارمن من منظور جديد. إنتاج جديد لباري كوسكي، وحضور مميز لراقصة الفلامنكو ذات الشهرة العالمية ماريا باغيس.

تم إنتاج القصة الساحرة عن فتاة الغجر الإسبانية واستنساخها آلاف المرات منذ أن تم نشر الرواية لأول مرة عام 1845 من قبل الكاتب الفرنسي بروسبير ميرمييه، وتم تبنيها كعمل أوبرا مشهور من قبل جورج بيزيه واثنين من أتباعه في عام 1875. بعد الاداء الثالث والثلاثين، توفي بيزيه بشكل مأساوي بسبب مرض بالقلب- ربما كانت الاستعراضات المروعة هي القشة الأخيرة- فلم يكتب له العيش لرؤية أداء دائم النجاح.
تدور القصة في الأصل في القرن التاسع عشر في إشبيلية، وتتركز حول دون خوسيه، الجندي الذي يعاني من سوء الحظ. ان شخصية كارمن محبوبة وممتعة في لحظة وساخرة وباردة الدم في أخرى. وهي امرأة صعبة في الحب؛ وعندما تتجه مشاعرها نحو مصارع الثيران الجذاب والجديد في المدينة، يتجاهل دون خوسيه وظيفته، وراحة البيت وحبيبته الطفولية ميكاييلا لمطاردة كارمن بإصرار حتى يدرك أنها لا يمكن أبدا أن تكون له- وإذا لم يكن بإمكانه الحصول عليها، فلا أحد يستطيع ذلك. تنتهي الأوبرا عندما تقابله كارمن خارج حلبة مصارعة الثيران المحلية وتخبره مرة واحدة وإلى الأبد انها لا تحبه. فيطعنها ليصرخ «كارمن، يا حبيبتي»، ثم تنسدل الستائر.
هكذا اعتاد معظمنا على رؤية نهاية الأوبرا. لكن كارمن تصدرت العناوين في إنتاج جديد في فلورنسا بايطاليا عندما أطلقت النار على دون خوسيه بمسدسه الخاص بدلاً من مواجهة الموت بنفسها. اعترف المنتجون بإنهم غيروا النهاية رداً على عدد النساء اللواتي يقتلن من قبل شركائهن كل عام- وبالرغم من كون ذلك قصة إخبارية، لكن سرعان ما ارتبط بروح العصر في حركة #MeToo المعروفة ضد التحرش او الاعتداء الجنسي.
من الرائع- والمعاصر- رؤية كارمن تهز الصور النمطية وتظهر في تأليف الأوبرا بنفسها. فكما يعلم كثيرون يتم ضغط الحوار في الأوبرا واستبداله بسرد طويل من شخصية غامضة والتي نفترض أن تكون هي. يقول كوسكي: «كان من المهم جدًا بالنسبة لي أن تقدم كارمن حياتها للجمهور، أو فصلًا من حياتها، في شكل من أشكال الاستعراض المسرحي».
ومن المفارقات أن العديد منا يربط كارمن بجنوب اسبانيا في حين انها قصة من صنع رجل فرنسي ثم تبنت كأوبرا من قبل فرنسي آخر. إن الصوت «الإسباني» الذي نفترض أننا سمعناه يأتي من عصر كان الفرنسيون الرومانسيون مهووسين بالأفكار الغريبة من اسبانيا، وكان الملحنون مثل بيزيه وموريس رافيل يسعدون في محاكاة الأصوات الإسبانية. الاستثناء الوحيد هو هابانيرا. اذ يعتقد أن بيزيه سرق هذا اللحن في الواقع من الملحن الإسباني سيباستيان إيراديير بافتراض أنه كان لحنا شعبيا قديما لا أسم له.
شخص مألوف بشكل كبير مع هذا النمط من الموسيقى الإسبانية- والنساء الإسبانيات- هو راقصة الفلامنكو الشهيرة عالميا ماريا باغيس. والتي وُلدت في إشبيلية ككارمن الأسطورية، اذ كانت موسيقى بيزيه جزءا من حياتها منذ كانت طفلة صغيرة.
أحضرت باغيس فرقتها الراقصة إلى سدلرز ويلز في لندن لأداء عمل تقول إنها لا يمكن أن تنتجه إلا في الخمسينات من عمرها بإسم :»أنا كارمن»، وهو عرض مخصص بالكامل حول الأنوثة ومحاولات لإعادة الكتابة حول شخصية كارمن بعيداً عن الاوصاف السطحية التي تميزت بالكراهية ضد النساء في تخيلات كل من «مرمييه» و»بيزيه».
«أنا كارمن» يصب حول التفكير في حقيقة كون كارمن امرأة بالفعل- «أنا» جماعية وتمثل كل عضو في فرقة الرقص النسائية، فضلاً عن النساء اللاتي كتبن العديد من القصائد والتي تظهر في الاداء. أما الموسيقى فهي مزيج ممتع بين بيزيه والفلامنكو الحقيقي.
فهل يمكن إعادة بناء ملكة الغجر الإسبانية التي اخترعها رجل لرمز أنوثة عالمية من قبل راقصة فلامنكو والتي هي في الواقع من إشبيلية؟ إنها بالتأكيد فكرة مثيرة للاهتمام. وما هو أكثر إثارة هو أن أوبرا من القرن 19 تواصل تشجيع تبادل الافكار في 2018. اذ يتطلع المبدعون عبر أشكال الفن إلى الفروق الدقيقة وربما الجوانب غير المتطورة من شخصية كارمن لسرد قصصهم الخاصة.
لكن من المهم- والصحيح- الاستمرار في التحقق من كراهية الأوبرا الأصلية للنساء. فمصير كارمن يحدد من قبل الرجال الذين تختارهم هي، ورغبتها في أن تكون حرة خالدة تكلفها حياتها. هذه الوفاة والفاجعة هي ما يجعل هذه القصة المأساوية شيقة للجمهور.
عندما كنا نتأمل النهاية الجديدة لدار الأوبرا في فلورنسا ومسألة عنف الذكور ضد المرأة، قال كوسكي «إذا كان الناس يريدون التحقيق في هذا الموضوع المهم للغاية، فليقوموا بكتابة أجزاء جديدة. إن العنف عنصر أساسي في المسرح، من الاغريق. وللأسف، فإن العنف جزء أساسي من حياتنا، سواء كان جيداً أو سيئاً. وفي الفضاء الآمن للمساحة المسرحية، حيث يمكن أن يحدث أي شيء، يجب ان نعطل اعتقادنا بالتحقيق في هذه الأمور. لذلك أنا أكره رؤية تبييض لتاريخ المسرح الغربي وليس احتضان لحقيقة أن فكرة العنف هذه ليست جديدة».

المصدر: موقع BBC