كتاب الطفل العراقي

عواد ناصر

أحالتني كاتبة الأطفال الإنگليزية لورين تشايلد (1965) إلى طفولتي، وهي طفولة ملايين العراقيين الذين لم يجدوا بين أيديهم ما يقرأونه بلذة وشغف وبدلاً منه كانت كتب المدرسة تؤلف لهم الكوابيس حتى لو لم يضعونها تحت وسائدهم.
دعت هذه الكاتبة، في حوار صحفي معها قبل أيام، إلى أن تؤخذ قضية الكتابة للطفل (البريطاني) بمزيد من الجدية إذ عوملت هذه القضية بطريقة سيئة!
ضحكت وأنا أقرأ ما قالته، ذلك أن كتب الأطفال في بريطانيا متوفرة بأعداد كبيرة وفي منتهى التنوع من حيث المواضيع الشيقة وأساليب الإخراج والتصميم والصور التزيينية وما تعرضه من متعة وتشويق، عدا أن هذه الكتب تصنع من الورق المقوى المقاوم للتلف وما قد يتعرض له الكتاب في يدي طفل غاضب مثلاً.
اكتشفت عبر تجربتي في البحث، على الشبكة العنكبوتية، عن الكثير من الكتاب البريطانيين، أن أغلبهم كتب للأطفال، ونادراً ما قرأت أن كاتباً منهم لم يكتب للأطفال.
مع هذا أشارت تشايلد، في حوارها الصحفي، إلى شعورها بالأسف لأن زملاءها الكتاب يتكبّرون على قرائهم الصغار!
هنا، أيضاً، ضحكت وبمرارة، على إشارتها تلك ونحن أمام كل هذا التنوع الغزير من كتب الأطفال التي تغرق رفوف المكتبات المحلية، الصغيرة منها والكبيرة، عدا مكتبات الكتب المستعملة وأرصفتها ورفوف الجمعيات الخيرية التي تغص بما يتبرع به الناس من هذه الكتب.
في طفولتنا العراقية ثمة مجلات شهيرة مثل «ميكي ماوس» و»سمير» و «سوپرمان» -شخصياً لا أتذكر غيرها- وكنت، ومثلي الآلاف، لا نقوى على شرائها لضيق اليد. لاحقاً، أصدرت الحكومة مجلتين هما «مجلتي والمزمار» وكنا قد قاربنا نضجنا الشخصي واستغرقتنا كتب الكبار في سني حياتنا المبكرة لنتعرف على كبار كتاب العالم والعرب.
هل في ما أكتبه، هنا، نوع من البطر والترف لأن آلاف الأطفال العراقيين ليس لم يجدوا كتاباً يسليهم ويعلم القيم الخيرة والأخلاق النبيلة، بل هم يتسربون من المدارس بنسبة مخيفة لينزلوا إلى الشوارع يبيعون المناديل الورق وقناني الماء ويبحثون في المزابل وحاويات القمامة عما يمكن أن يؤكل أو يباع أو يستفاد منه، بعد أن عز المعيل أو غاب.
حتى «القراءة الخلدونية» التي صارت عند البعض رمزاً للماضي «الجميل» والحنين البائس للبؤس، كانت كتاباً تعليمياً بيروقراطياً، لا يمت لحياة الأغلبية منا، نحن أطفال الهوامش الباردة، بأية صلة، فما معنى عبارة «الزيتون مرٌّ»؟ تساءلت وأنا طفل: إذن، لماذا يأكله الناس؟
وأتساءل اليوم: لماذا الزيتون، الذي لم نره في حياتنا، بينما نحن شعب ألذ التمر وأشهره في العالم؟
ورأيت أن عبارة «قدري قاد بقرنا» أسوأ جملة تعليمية وهي تجعل من حرف القاف ثيمة تتكرر لتترسخ. جملة تجريدية ليست في متناول أطفال في بيئة عراقية تزخر بالمأثورات الشعبية والمفردات الأكثر قرباً لمتناول عين الطفل وإحساسه، وسط شيوع العبارة السيكولوجية الخاطئة، حسب علم النفس الحديث «الطفل عجينة يمكن للكبار تشكيلها حسب ما يريدون» أو «رأس الطفل ورقة بيضاء يكتب فيها الآباء والمعلمون لوائحهم وأوامرهم».
نحن في ساحةٍ لا يلعب فيها الأطفال ولا الإناث لأنها محجوزة للذكور البالغين وهم مسلحون بالآيديولوجيات الكبرى ولا وقت لديهم للاهتمام بما هو تافه: طفل لم يجد ما يقرأه!
أم قلقة: ماذا سأطبخ اليوم للغداء.
أب حائر: أعد ثلاثين يوماً من العبودية لأقبض الراتب.
أخ خائف: لن أخرج الجمعة المقبلة في تظاهرة ساحة التحرير.
الكتاب، للكبار أو الصغار، مثل أي كائن حي لا يتنفس ويعيش ويحلم إلا في مناخ طبيعي… إنسان، زهرة، تفاحة، كلب.