كتــــاب التساؤلات.. كتــــــاب الإجابات بين بابلو نيرودا وحسين عبد اللطيف

رمزي حسن

رمزي حسن

(كتاب التساؤلات .. كتاب الإجابات) واحد من أمتع الكتب وأكثرها طرافة وتسلية، يجمع بين شاعرين انبساطيين، هما شاعر تشيلي الكبير بابلو نيرودا، والشاعر العراقي الراحل حسين عبد اللطيف، وقد صدر الكتاب، الذي قامت بإعداده المترجمة سحر أحمد، عن دار أزمنة 2014.
وتقوم فكرة الكتاب على أسئلة وأجوبة: نيرودا يسأل وشاعرنا يجيب.
و(كتاب التساؤلات) هو آخر مجموعات نيرودا الشعرية التي كتبها قبل وفاته في عام 1973 كما جاء في تصدير الكتاب، وهو كتاب تأملات شعرية كتبت بصيغة تساؤلات مكثفة، مقتضبة، وذات نكهة خاصة تختلف في طبيعتها عن قصائد نيرودا المعروفة.

أما (كتاب الإجابات) فهو، أيضاً، آخر مجموعات الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف، وقد كان في الأصل، مجموعة شعرية تحمل عنوان (بين آونة وأخرى.. يلقي علينا البرق بلقالق ميتة) تضم 223 قصيدة هايكو، وقد جرى على قصائد هذه المجموعة الكثير من التغيير كي تناسب سياق الأسئلة التي يوردها نيرودا في كتابه، وتلك هي فكرة الكتاب الأساسية التي اقترحتها المترجمة على الشاعر حسين عبد اللطيف، وهي فكرة ليست جديدة بالطبع، بل لها ما يماثلها في الشعر الياباني، الشعر الذي يطلق عليه (الرنجا)، حيث يؤلف شاعران قصيدة واحدة، يكتب أحدهما الشطر الأول منها، فيما يكتب الآخر الشطر الثاني، وذلك في صيغة تنافسية بريئة شبيهة إلى حد بما يسمى لدينا بالمطاردة الشعرية، غير أن السؤال في هذه التجربة يأتي تالياً، كما في هذين المثالين:

(1) (2)
الشاعر الأول: الشاعر الأول:
في انتظاركِ زرع أمرؤ حقول رز
تحت ندى التل المتساقط برفع مياه
وقفتُ متعباً ومبللاً. جدول ساهو

الشاعر الثاني: الشاعر الثاني:
أيتسنى لي يا محبوبي الرز في أوائل نضوجه
أن أكون ندى التل المتساقط هل أكلته كله وحدك؟
الذي بلـّلك
وأنت تنتظرني ؟

وهذان الشاهدان هما أقدم محاولة لتأليف قصيدة ثنائية من قبل شخصين، كما يقول كينيث كاوندا في كتابه (عندما تتفتح أزهار البرقوق)، وينبغي أن يكون للبديهة الشعرية حضور أساس في هذا التنافس، وأن يترجم الشاعر إدراكه لتلك اللحظة إدراكاً جمالياً لا سطحياً.

ولا أعرف إن كان الشاعر الراحل والسيدة المترجمة قد اطلعا على هذه التجربة قبل أن يشرعا في إعداد هذا الكتاب. أشك في ذلك!
على أي حال، لقد تحدَّث الشاعر حسين عبد اللطيف في تصديره للكتاب عن الإشكاليات التي رافقت صناعة هذا الكتاب، كالفرق في التجربة بينه وبين الشاعر نيرودا، والمهاد المعرفي والأيديولوجي وطول المسيرة الشعرية لكل منهما، فضلاً عن إلزامه في أن تكون الإجابات من متوالية قصيدة الهايكو خاصته، التي كتبت بمعزل عن كتاب نيرودا، وهو ما جعل التحدي أكثر صعوبة، ولإدراكه حجم الورطة التي وجد نفسه فيها، أحاط الشاعر نفسه بجملة من الحجج، منها: إن كتاب الإجابات كتب بمعزل عن كتاب التساؤلات، وهذا صحيح بالطبع، فضلاً عن أن بعض تساؤلات نيرودا كانت «تحمل إجاباتها في نفسها»، ولكن على الرغم من كل ذلك لم يستسلم الشاعر «ربما علقت بصنارتنا سمكة» على حد قوله.
كانت تساؤلات نيرودا موجهة بالأساس لقارئ افتراضي، غير أن الشاعر حسين عبد اللطيف آثر أن يكون هو هذا القارئ، ليشارك نيرودا تأملاته الشعرية، ومن هنا، بدا الأمر وكأننا أمام لعبة في كرة المضرب: بابلو نيرودا يبدأ الإرسال وحسين عبد اللطيف يرد.
وقد نجح شاعرنا في الرد على بعض تساؤلات نيرودا الذكية والغامضة في الوقت نفسه، كما حافظت القصائد على خصائصها بوصفها قصائد هايكو، فضلاً عن توفرها على قيمة جمالية عالية، كما هو واضح هنا:

أيّ طائر أصفر هنا، على ذيول الطواويس
يملأ عُشه بالليمون ؟ تنتشر دكاكين
لبيع الفوانيس الملونة.

أين تجد جرساً أول الشتاء
يقرعُ في أحلامك ؟ على وقع المطر
(حيث) ترقص (الفوانيا).

وقصائد شاعرنا هي قصائد هايكو متكاملة، فهي تتكون من ثلاثة مقاطع أو أجزاء تتناول مشهداً مفرداً، يستغرق مدة نفس واحدة، وهو ما يميز الشكل الشعري لقصيدة الهايكو عن غيرها، إلا أن الأمر لم يدم طويلاً، فبعض الإجابات رغم أنَّها تنطوي على بلاغة رمزية عالية، غير أنها تفقد خاصيتها الأساسية بوصفها قصائد هايكو، وهذا أول إخلال بالوعد الذي قطعه شاعرنا على نفسه، كما في رده على هذه الأسئلة.
علام يضحكُ البطيخ الطعنة .. قبلة المدية
ساعة ذبحه ؟ والجرح :
أحمر شفاهها.

لماذا يكتبون في العصور المظلمة
بحبر خفيّ ؟

وعندما يكون إرسال المضرب قوياً ومباغتاً، فإنَّ الرد يكون ضعيفاً، فتفقد القصائد شعريتها، بل يكتفي شاعرنا بإجابة السؤال بسؤال، وكأني به يقول: لماذا أكون تحت سلطة بابلو فليكن هو تحت سلطتي، كما هو الأمر في المثالين الآتيين:

أليس الذي لا يأتي خيرٌ ألا تريدنا أن نتعلق بالأمل؟
من الذي يأتي متأخراً ؟

كم أسبوعاً في اليوم، دعنا، أولاً، نسأل الخيّـام،
وكم سنة في الشهر؟ وأي التقاويم أنت تتبع ؟

أما عندما تكون الأسئلة محيرة وغامضة، فإنَّ شاعرنا يفقد قدرته على المطاولة ويبدو عليه التعب والاستسلام وكأنَّه على وشك أن يغفو:

أصحيح أن الخريف ينتظرُ ربما !
أمراً وشيكاً ؟

هل تحت الأرض مغناطيسٌ أصبت !
أخٌ لمغناطيس الخريف ؟

بل إنَّ الأسئلة عندما تحمل إجاباتها في نفسها، يمسك حسين عن الرد ويهرب كلص صغير سرق لعبة، أي إنَّه يفعل ذلك دون أن يترك وراءه أدنى أثر لجواب، حتى ولا علامة تعجب أو نقطة، كما هو واضح هنا:

أين ينتهي قوسُ قزح، (فراغ)
في روحك، أم في الأفق ؟

وأخيراً فإنَّ أسئلة نيرودا التأملية تعكس تجربة طويلة، عمراً بأكمله من فرح وحزن وخسارات ونضالات، كل ما أرَّقه واستوقفه وشغله وشكل جزءاً من تجربته وحياته من الطفولة إلى الكهولة، وكان على شاعرنا أن يلمّ بكل هذا، وأن يشمل كل هذا كي يبقى في المنافسة، ورغم أن هذا حلم بعيد المنال وأن الصيد لم يكن وفيراً، إلاّ أن التجربة كانت مثيرة، قدمتها السيدة سحر أحمد لتكون أجمل هدية للشاعر في وداعه ولنا جميعاً.