كراج

محمد خضير

تنويه:

المرأب الموحد بؤرة تجميعٍ وتوزيع، تتفرق منها الطرق نحو رؤوس المدينة وأطرافها، وتعود الأجساد والأشياء إليها، في دورة يومية من اللقاء والافتراق، البدء والانتهاء. أحلامٌ سائرة على دواليب وهياكل حديدية وسبل متشعبة، ألسُنٌ متفرقة وثياب غُبْر ومصارين وفروج وقروح مستورة ورؤوس عائمة في الغبار، تروح وتغدو حتى ساعة السكون والهمود وانغلاق الأبواب على ممتلكاتها العائدة بغنائمها، أو المطرودة من سلطتها وحمايتها.
تبدأ رحلة كل يوم من المرأب نحو نقطة مرسومة على جدول الاحتمالات والمفاجآت الفردية والجمعية. بلا توقيتٍ تتوجه الحافلة بركابها المعدودين في نصف النهار او آخره؛ تنزف الذاكرات الراكبة حكايةَ اليوم وما قبله، مع صوت المحرك أو بوق التنبيه، حتى لحظة الوصول من دون بلوغ النهايات او الغايات.
يتسع معجم المرأب اليومي ويطغى على أيّ اهتمام لسانيّ آخر. الطريق المزدوجة في الذهاب والإياب لا تتيح وقتاً لأسلوب أو نوعٍ مصطفى من بين الأنواع الكلامية المعروفة، ولا للغةٍ مصنفة بحرف أو نغمة أو لهجة قومية. لا قواعد ولا مخططات مسبقة تمهّد لهذا النوع من السرد «الكراجيّ» السائر على عجلات التبادل والتوزيع العشوائي في الأمكنة والشخصيات والحوار الطليق. الاستماعُ قبل الكتابة، والكتابة من دون مراجعة او تنقيح. يومٌ فريد بين الأيام؛ حكايةٌ لكل يوم بلا عدّ أو ترقيم أو إحصاء. حكايةُ الغبار والضوضاء والزحام.
********

أختارُ ضالتي من بين الزحام، أتبعُها حتى باب السيارة، وأنحشر معها على مقعد واحد. حكاية صيدٍ والتقاط سهلة، لكنها اليوم تنقصم الى مرحلتين وعجلتين. امرأةٌ عبرت نصف عمرها تستر الشيبَ بفوطة خشنة مغبرة؛ ما أن استقرّت في مكانها حتى أرخَت عباءتها على كتفيها وعاودت تسريح خصلات شعرها ودسّها بحزم تحت الفوطة الخشنة. أصبح فصل هذا الجرم القلق عن الجماعة التي اكتمل عددها في جوف الباص أصعب من مطاردته في المرحلة التالية من الطريق. والأصعب من ذلك أن يندلع حديث الركاب من جزء مبتور، بدأوه في وقت سابق من وجودهم بين جماعات متخيلة. ومن تراه يبدأ السؤال غير شخصيتنا القادمة من رواق محكمة الأحوال الشخصية؟
كانت المرأة الغبراء قد سألت عن ساحة اجتماع المزارعين في الزبير، فتطوع أكثر من راكب لقيادتها الى ذلك المكان. وكان سؤالها اختباراً لخوض مسألة شائكة أخرى: جاءت من الناصرية لتنقل سجّل نفوس ابنتها المتزوجة في إحدى المزارع، لكن الموظف أمهلها أسبوعاً لإتمام المعاملة. ستلتحق بابنتها وزوجِها ومجموعةٍ من أقربائها الأجراء بعد الاستخبار عنهم في علوة الخضار. اختصرت المرأةُ السَّفرة والمعاملة والبحث عن ابنتها بكلمة واحدة: «لويصة!» ثم همدت كهِرش طماطة ذابل. سألتْ إن كان أحدهم ينقل مع حوائجه قنينة ماء؟
بسطَت المرأةُ المهذار هيمنتها على الرؤوس المستديرة نحوها، وتسلّمت قنينة الماء من رجل افتدته بلهجتها: «بعد رويحتي». تصاغرت الأرواحُ المنقولة على عجل، وانطوت وجِلةً من سطوة الكائن الأغبر الذي أسفرَ عن مهمته الغامضة في نقل النفوس. استطردت في تفصيل حياة ابنتها التي زوّجتها لصاحب المزرعة، وانقطاع أخبارها منذ آخر زيارة لها في عيد الأضحى قبل سنتين. كان الزواج عرفياً، وانضمّت الابنة لنساء المزرعة العاملات بلا عقود أو ضمانات. لم تكن الهجرة والنبذ العائلي، والسخرة والاستغلال الجسدي، حالاتٍ مفهومة بين كائنات الكراج المشتتة، وكان أبلغ تفسيرٍ لانتقال النفوس من مكان الى آخر، وقيدِها في سجلات رسمية، قد لخّصه لسان المرأة السليط بكلمة «تفاريط» متبوعةً بزفراتٍ كلامية مدغَمة، نابية.
ولما حان دوري كي أنطّ برأسي وأعرض خدمتي في اقتصاص المعاملات واستتباع الآثار الضائعة، أخبرتُ النفسَ المقطوعة عن عائلتها برغبتي في مصاحبتها حتى المزرعة خارج الزبير والعثور على ابنتها. خزرَني الرأسُ الأغبر بعينين مستطلعتين، وفرزني عن الركاب المرصوصِين في فضاء العربة الضيق كرؤوس الكرنب. انقطع زفيرُ الأنفس، وانفجر رجاءٌ ساخن من صدر المرأة الضائعة: «بعد رويحتي!».
يقتضي سرد المرحلة الثانية استبدالُ باص كراج العشار وركوب حوض سيارة بيكب مكشوف، وارتداء القصّاص الدليل ثياب عمال المزارع. استُبدِلت السيارة في علوة الزبير، والتحق بنا أربعة صبيان من الأجراء اعتلوا حوضَ البيكب ال GMC العريض، مع جِوالاتهم الفارغة. انطلقنا بعد الظهيرة بساعة، ترافقنا غيوم بيض متفرقة، باتجاه المزرعة. انتهى الجزء المعبّد من الطريق، وانحرفنا الى درب رملي، فنهض صبيّ وتمسّك بعارضة القمارة مستطلعاً، بينما مدّد الثلاثة الآخرون أرجلهم ورقدوا. قفزات الاطارات المفاجئة أعادت للمرأة الغبراء ذاكرتها، حيث تركت ابنتها في قبضة مزارع يهوى جمع الصقور مع الأرانب والنساء الصغيرات. نبرت المرأةُ خلف نقابها: «شويرد ياكل من طويرد» ثم ضيّقت نظرها ليشرب قليلاً من الضوء المسكوب بغزارة في صحن الأفق الذي تطارد السيارةُ غيومه البيض باندفاع متسارع.
تقع المزرعة التي نقصدها وراء جبل «سنام» على شفا وادٍ من الحصى الأحمر. أفادت المرأة المفوّطة بأنها عملت مع مجموعة منقِّبين عن الكمأة في برية «سنام» قبل عودتها لأهلها في الناصرية. كان موسماً غنياً ساعدتهم كلاب «شويرد» على اكتشاف البثوق التي تكمن تحتها الثمراتُ الصفر الذهبية. بعد أيام تشققت أقدامهم فدهنوها بمرهم مخلوط بزيت الحنظل. ثم ختمت المرأةُ إفادتها بتنهيدة منغمة «أووف.. يا يمه.. أووف».
خاطبت الصبيَّ المتشبث بعارضة حوض البيكب المتقافز: «ولك عبيس.. احديلنه سويحلي».
استجاب الصبيّ، وبدأ «سنام» بإرسال إشاراته المخزونة في جوفه الكلسيّ منذ اندلاع الحرب السابقة. ظهرت بجانب السيارة سحابةٌ واطئة، انغرزت سهامها الضوئية في أحداقنا المرهقة بسطوع الصحراء. دارت السيارة حول السحابة، فانكشفت قمة الجبل الملساء كهامةِ صقرٍ سابحة وسط الغيوم. كنا ننحدر الى الوادي الأحمر وننسرح نحو موطن الكمأة الدفينة في الرمال، بينما تلاحقت تنهيدات المرأة الغبراء وتحوّلت الى حِداء شاركتْ به غناءَ الصبيّ في المقدمة. وحالما استوت السيارةُ على مستوى الدرب الضائع ثانية، جذبنا الجبلُ نحوه، ودخلنا سحابتَه المشِعّة.