كيف تكتب جملة لأول مرة

بقلم جون مولان

ترجمة ومراجعة : رسل الصباح

في الصفحة الأولى من هذا الكتاب، يقتبس المؤلف جو موران إدعاء الروائي الفرنسي وصاحب رواية (مدام بوفاري) غوستاف فلوبير (في رسالة إلى حبيبته، لويز كوليت) بأن عقله دائمًا «متهلف» للجمل. فلوبير هو سلطان الأدب الطبيعي لموران، لأن الأدب بالنسبة اليه كان أسلوبا، وهو الاسلوب الذي انتقل إلى شكل وصياغة الجمل. قد يقرأ المفسرون اللاحقون رواية السيدة بوفاري على أنها تشريح للنفاق أو الصراع الطبقي أو آلام الزواج البرجوازي، لكن ما اهتم به الروائي حقاً هو جمل الرواية- إيقاعها، وجمالها.

يشارك موران قيم فلوبير. فيوصي كتابه الكتاب والقراء بالاستمتاع بصياغة الجمل. فبالنسبة للكاتبين، أن الجملة هي الوحدة الأساسية للتعبير. يتذكر موران الـ «سترولدبروغ»، -شخصيات خالدة ملعونة ضمن رواية «رحلات غوليفر» للكاتب الهجائي جوناثان سويفت-، والذين مع تقدمهم بالسن يفقدون عزاء القراءة، «لأن ذاكرتهم لن تنفعهم على حملهم من بداية الجملة إلى النهاية». الجملة هي ما تحمله في عقلك، مهما كان قدرة الكاتب. الجملة هي ما تجعل للعالم معنى.
يقول موران إنه يريد «أن يشجع القارئ ويحفزه ويشد عزمه»، لكي يتألم هو أو هي، ككاتب الجمل. ولا يريد أن يطلق على كتابه «دليل الأسلوب»، كالاسلوب الذي يرتبط بـ»الوصفات الطبية والقوانين». لكنه يفضل أن يطلق عليه «دليل الأسلوب السري»، أو «رسالة حب الى الجملة». فالكتاب يقدم لنا جملًا منعشة وخلوقة. «إن الجملة الجيدة تعطي الايعاز لأفكارنا وتخرجنا من عزلتنا… يجب أن تشعر الجملة بأنها حية، ولكن ليست مفرطة بشكل غبي». ويقترح موران عادات جيدة. فيخبرنا بأن نحب الأفعال ونتعامل بسهولة مع الأسماء، وأن نبتعد عن المقاطع التفسيرية متى أمكننا ذلك، وان نفكر في إنهاء الجملة بمقاطع مشددة، ونستبدل الجمل القصيرة بالطويلة.
كما يخبرنا موران بما يجب أن لا نحب. فهو يرثي ببلاغة نشأة وازدياد اللهجة العامية المعتمدة على الجمل الاسمية. وكون موران شخصا أكاديميا، فإنه يشعر بالاستياء من العادات السيئة للنثر الأكاديمي الممل، الذي يستخدم الظروف والأحوال الرابطة أو المعطوفة («علاوة على ذلك» Moreover- «ومع ذلك»-However) مصحوبة بـ(«سأتناقش حول «I will argue that). ومع ذلك فهو يعرف أن القليل ليس دائما الأفضل.
في فصل حيوي يسمى «لا شيء مثل نافذة زجاجية»، يزيل موران السهولة غير العملية للكاتبين البريطانيين إرنست غاورز وجورج أورويل. ويؤيد الرقة التعبيرية للشرطية.
ان موران معلق عاقل ورصين. وقد استغرق الأمر وقتا طويلا للعثور على شيء يختلف معه في كتابه، كان ذلك في الثلث الاخير منه. فهو يحتفل بالكلام (العادي) لمواعظ «جون دون»، والذي يبدو أنه يشق طريقه إلى الأمام على نحو تجريبي، من خلال ارتجال المقارنات وانتزاع التلميحات. فيناقض هذا مع الكلام المدروس من أدباء أوغسطان المبدعين من القرن ال 18، ومع كتاب مثل سامويل جونسون وإدوارد جيبون. والذين يبدون أنهم «قطعوا العالم إلى شرائح من التسلسل المنطقي وخدموه بشدة». ومع ذلك، فإن جمل جونسون وجيبون غالباً ما تكون جميلة. يمكنك الإعجاب باسهاب «دون» الرنان، والاستمتاع أيضًا بالتهكم الحزين في اسلوب جونسون أو ذكاء جيبون عند استخدامه النقاط باتقان. هنالك أنواع مختلفة للجملة الجيدة – إذا ما كان الكاتب جيدًا بما فيه الكفاية.
يعرف موران ذلك جيداً، لكنه ليس مضطراً لمواجهة المعتقدات المختلفة لأنماط مختلفة لأنه غالباً ما يتجنب الأمثلة. فكتابه مقتصد نوعا ما بما يتعلق بالاقتباس. وبالتأمل في طبيعة الفقرة، يصل موران الى «فقرات مدهشة» لرالف والدو إمرسون والتي جمعها بطرق جعلتها تبدو بشكل غريب لكن بقالب مقنع. ستظل هذه الطرق مبهمة بالنسبة إلى جميع قارئي موران تقريبًا، حيث لا نرى أي مثال لفقرة إميرسون. أما الكاتب الذي اقتبس منه في معظم الأحيان هو وليام تيندال، أول مترجم عظيم للكتاب المقدس إلى الإنكليزية. إن أفضل ما في الكتاب المقدس للملك جيمس المبجل كان في الواقع ان تيندال هو أول من صاغه، فموران يستمتع باختصاره الجميل. لا يمكننا أن نكتب مثل تيندال، ومع ذلك فهو يبين لنا كيف نجمع بين «العظمة» والإيقاعات العامية.
يوجز موران نصائحه الى مبادئ تتكون من 20 جملة والتي يدرجها في الملحق النهائي، وهو ملخص عملي عن كل ما قاله. وعندما يصل إلى نهاية كتابه، يعود موران إلى فلوبير، مستشهدا بتعليق والدته بينما كان يعمل بشق الأنفس على مدام بوفاري،: «إن هوسك بالجمل.. قد جفف قلبك». في الواقع، كما يقول موران، فإن السرور في الجمل الجيدة هو نوع من التصالح، وهي طريقة لإيجاد نمط وهدف في العالم.

المصدر: The Guardian