لا إعلانَ عفيفاً

علي الزاز

كنتَ ناراً أسرابها تتضوّر برداً.
أريدكَ مثل إيمان القوانين الظالمة، ومثل خيرٍ غير موجود، أريدكَ ككلا لنفسك ، ثم ككذبٍ لهم ولي. أريدكَ تشريعات للدخول فقط. أريدكَ دولةً، مطاعاً ضربها ومسموعة سجونها، أريدكِ أقفاصاً متضامنة.
كمن يرى الطفل ويقول:
سأستعمله في الحروب، كمن يجعلُ الوردة مناسِبة للصفع، كمن شدّته قوافل من حبال(ولكنه مهزوم) . كهارب، وأثره معروف وسيرته شمعة محسودة.
كمن يجدّد اللوم، ويجدّد الاندثار. قلاقلُ أو شبيه بها. أنشرُ مواهبه كإعلانات لدمى، وكإنعاش للحروب. هذا الطبل لكَ ، لماذا تمنحه إلى الجدران، دعها تنام؟ يجاورُ كلّ مصيبةٍ ويشجعها. المصائبُ هزّات ضرورية.
يبدو كتضحيةٍ عظيمةٍ؛ ولكنّه يريدُ تضحيةً أكبر منها، وشهادةً أكثر من الفداء، وموتاً أكثر من الموت.
لا يتصرفُ بسوى التداوي. ( لا أحبّه بسبب ما ورد في أعلاه).

عن كتاب « المكان العراقي.. جدل الكتابة والتجربة» مقالات متنوعة لمجموعة من الكتّاب العراقيين، تقديم الكاتب لؤي حمزة عبّاس:
ثمّة نداء مائي سري يوجه المقالات، مسترشداً بالماء على أنّه الحنين إلى الحياة. النهران اللذان سُمّي العراق انتساباً إليهما ببلد الرافدين، شاركا الجغرافيا التاريخية بصوغ معالم الشخصية العراقية، ودحرا حتّى فكرة الصحراء، على أنّها المرادفة للجفاف والموت. الماء هو حنين معاكس للهجرة، قريب من الحضن. الماء الأمومي، الماء الأنثوي كما يقول باشلار، ولهذا لم تنأ مقالات الكتاب عن المدينة الخاضعة إلى تصوّر الأمومة، مستعينة بمفردات الحنان والذكريات على البوح والتقصّي في معظم الصفحات؛ أزقة، مقبرة، جدارية، ذاكرة عمارة.
يحتاجُ الانسان في عودته إلى الذكريات معونة الأم مستغنياً عن حضور الأب، الذي هو رملي متأتٍ من الجفاف، أو يعمدُ توفيقياً على جعل الأب مائي الصورة، فيتقبّل مرافقته في استعادة الماضي.
يقول كلوديل:» كلُّ ما يرغبه القلب، يُمكن دوماً أن يُختزل إلى صورة الماء». العراقيون أكثر الشعوب استعمالاً لكلمة المنفى، وأشدهم ولاءً للمكان، بقصد استحضار صورة الأم، وحتّى في رحيلهم القسري يدخلون المكان الذي غادروه، احتفاءً بالأمومة عندما تؤاخي النهر والرمال.
في العراق:
السياسة والجغرافيا، والاقتصاد والحب حتّى، محكومة بالماء والصحراء.

الحيّ رغم الموت،
الحيّ في الشراع، أما زلتَ تؤمن بالشراع كحافز، وتستخفُ بالحضيض وأترابه كالفشل والهشيم والسقوط؟ أما ترى أن الأب قد تغيّرت أبوّته، والكتاب صار أكبر سناً من الأسلاك الشائكة، والأفكار هي تصريف، والوردة المعمّرة، لها وسائل الدولة وقوانينها، فماذا ستفعل بكل تلك القرائن والبراهين والشهادات واليقين؟

تكثرُ مفردات الحزن في الحديث اليومي في العراق، مع تقبّل متميزٍ لها، على رغم اشاعة الطرائف والنكات، كمعادل لعقاب الحزن. أصبح للمكان في العراق، وظيفة الاستحواذ على تصرفات الجسد. يتقصى فوكو هذه الصفة عند دراسته السجون والمصحات، في كتابه « المراقبة والمعاقبة» وهي مراقبة الجسد وعقوبته، نجدُ مفهوم العقوبة القضائية، قد تطوّر إلى مفهوم مكاني، حيث السجن قصاص الأجساد، فالزنزانة الانفرادية لها تأثيرات خطيرة على الجسد البشري مما للزنزانة الجماعية، تعدّدت طرق التعذيب بتنوع هندسة السجن» برج في الوسط والزنزانات حوله» هندسة كهذه تسمح بالمراقبة. إهانة الجسد تكتملُ بالمراقبة، عندها يدخل الجسد إلى مشاعيّة الأذى فيسهل اذلاله تحت المراقبة.

أما زلت تبني بيتاً، وتنام خارجه محرّضاً على سرقته؟
تروّج للصفح، على أنّه مفيدُ، بينما تطوفُ الرماحُ حولك
ويستعدّ الفيضان لكَ.
ما الكتب والأناشيد والبلدان، سوى دعايةٍ فحسب.
لا إعلان عفيفياً وذا مرؤة.
مصيركَ هو،
حديقةٌ، تتوسّطها أبراج المراقبة.