لسنا غير حيوات تروي بعضها

نجم والي

عجيبة هي الأنوات التي اخترعها مؤسس الحداثة الشعرية البرتغالية فرناندو بيسوا، كأنها شخصيات مستقلة، لها حياتها، مساراتها، بل لها مكان وُلدت فيه ومكان آخر ماتت عنده، ومن يقرأ ما كتبه تحت اسم إحدى هذه الأنوات سيكتشف مباشرة استقلالية كل نص عن الآخر، وكيف أن المكان الذي تخيله الشاعر لولادة أناه أثر على شكل ومضمون النص، على المفردات والصور الشعرية، فشخصية وُلدت في الريف تكتب قصائد تختلف عن شخصية ولدت في المدينة، وشخصية ولدت في المدينة تختلف هي الأخرى عن شخصية ولدت عند مدينة تقع على البحر، كأن الشخصيات تلك التي ليست من اختراع بيسوا، بل هي قدره الشخصي ذاته، أنه كل هؤلاء، اسماً ومنشئاً وترعرعاً وتربية وذوقاً، لدرجة أن من الصعب على واحد مثلي، ألا يفكر بهم كلهم، كلما زار لشبونة، ذلك ما أفكر به كلما تجولت في مدينته التي أحبها، رغم ما واجهه من مواطنيه من حيف وتصغير، ربما فكر بيسُوا بهذا أو ذاك، ولا أدري ماذا سيقول بيسوا لو قرأ هذه الكلمات، أو عرف أن أحداً سيأتي من بلاد بعيدة، غريب حقيقة عن هذه المدينة، من أجله هو وحسب، يصعد شوارع لشبونة وينزل، يسير على خطاه، يبحث عن آثار تركها وراءه، كأنه لا يصدق أن صديقه مات، وأن مَنْ مات في 30 نوفمبر 1935 وبتشمع الكبد، هو أحد الشخصيات التي اخترعها بيسُوا على هواه، والتي وُلدت من عقله وقلبه، وعاشت معه جنباً الى جنب:
البرتو كائيرو، ريكاردو رايس، ألفارو كامبوس، أنتونير مورا، فرناندو سواريش، بيثينته كيديس، الكسندر سيارج، وآخرون تركهم تباعاً، أو أماتهم مبكراً. لكن يظل الثلاثة الأوائل هم الشخصيات الأكثر قرابة له، الشعراء الثلاثة هؤلاء الذين انبثقوا من داخله كما لو كانوا شخصيات اختلقها روائي. هذا ما أراده الشاعر أو على الأقل كما نراه نحن دون أن نجعلهم متماثلين معه كما سعى هو دائماً، تطابقاً مع ما كتبه ذات مرة، بأن «يصبح الشاهد الوحيد للحياة دون أن يمتزج معها» محاولة غير نافعة، فبيسوا في النهاية هو كائيرو، كامبوس، رايس، مثلما يكونون هم معاً، هذا الـ «بيسوا» الذي من خلالهم حقق نفسه لكي ينسى وجوده الميتافيزيقي في الحياة،، قبل أن يموت وكان أتم للتو السابعة والأربعين.

في كل رحلاتي إلى لشبونة وتجوالي فيها، في كل ما كتبته لاحقاً من مقالات عن صاحب «البحار»، «دكان التبغ»، «رسائل إلى أوفيليا»، «كتاب اللاطمأنينة»، و«يوميات البارون دي تايبه»، حضر الثلاثة هؤلاء معي، وكان هو بيسُوا الرابع المتُخيل الذي يصعب تعريفه في خانة أو وضعه في مكان، أنه شخصية متعددة الجوانب، منقسمة، تعيش من التناقض الذي تصنعه في نفسها ولنفسها، «لست أحد الكتاب، إنما أنا الأدب كله»، كأنه يشير بقوله ذلك إلى حدث قدري، ليس بالسيئ وليس بالجيد، قدر لا حيلة للمرء إزاءه، أنه واقعة وحسب. ربما هو اليتم المبكر الذي ترك تأثيره الكبير على حياته، وجعله يشعر بـ «تلك الحاجة لتزويد العالم بشخصيات خيالية»، من أحلامه المبنية بصرامة، يخترع «شخصيات مرئية بوضوح فوتوغرافي ومفهومة داخل أرواحها»، كما كتب ذات مرة؟ من يدري؟
في الثلاثين من نوفمبر الماضي وقفت عند قبر فرناندو بيسُوا في لشبونة، كي أنثر الزهور عليه على عادتي كل عام، القرنفل التي أحبها بالتحديد، كي أحكي له أيضاً عن أصدقائه الجدد الذين انطلقوا بالبحث عليه، في كل مكان، وأنا واحد منهم، لا يهم أين أتواجد، أين أتنقل، واين أعيش، في بغداد أو لشبونة، في نيويورك أو برلين، فنحن في النهاية، كما رسم لنا هو المتميز في تفرده ذاته، ليس غير حكايات تتوزع في كل مكان: «حيوات تروي بعضها».