لغةٌ مُعمّرة.. ولكنْ

شوقي عبد الامير

اختارت الأمم المتحدة يوم 18/12 من كل عام عيداً للاحتفال باللغة العربّية باعتبارها واحدة من اللغات الست الرسّمية في الأمم المتحدة وهي (الانكليزية – الاسبانية – الصينية – الفرنسية – العربية – الروسّية).
«بين نهرين» تخصص ملفاً كبيراً في هذا العدد لطرح السؤال الذي يفرض نفسه اليوم حول اللغة العربّية وهو المتعلق بالأخطار الكبيرة المحدقة بها وقدرتها على التطور ومواكبة العصر أو التراجع والانسحاب أمام اجتياح اللغات العصرية كالانكليزية والفرنسية والاسبانية في الخارج والعاميّة في الداخل.
وهنا لابد من إلقاء نظرة سريعة على نشوء اللغة وتأريخها وتطورها من أجل فهم أعمق لخصوصيتها وطاقاتها اللغوية وعلاقتها بالقدسيّ والاجتماعيّ والإبداعيّ في المجتمعات التي تتحدث بها اليوم.
أن أقدم نص يمكن اعتباره عربّيا قد وصلنا هو «نقش النّمارة» وهو شاهدة قبر أحد ملوكِ المناذِرة في الحيرة «إمرؤ القيس بن عمرُ» الذي يُرجعُ المؤرخون تأريخ وفاته الى القرن الرابع قبل الميلاد(328ق.م). وهو نص قصير مكتوب بالخط النبطي غير المنقوط.
كانت الجزيرة العربية طيلة القرون العشرة التي سبقت الاسلام تخضع لسيطرة الممالك اليمنيّة الجنوبيّة التي ورد ذكرُها في القرآن (سبأ ومعين وحمير..) وكانت تتكلم بلغات أخرى ليست كاللغة التي نتكلم بها وهي التي قصدها بن عباس بقوله «ليستْ لغة حمير بلغتنا ولا لسانها بلساننا» وكان عدد اللغات الجنوبية هذه يتجاوز الـ36 لغة (السبأية والقتبانية والقطرية والحميرية و…الخ) وهي لغات مازالتْ منطوقةً في جنوب اليمن وجبال عُمان وقد أطلق عليها العرب «لغات المسند».
إنّ لغتنا التي نتكلم بها اليوم هي العربية الشمالية/ لغة قريش وهي اللغة التي نزل بها القرآن وقد سادت في الألف الأول الميلادي كما ظهر في الشعر الجاهلي بسبب سيادة مكّة وتطور تجارتها ونفوذها حتى جاء الإسلام ليجعل منها لغة الامبراطورية الإسلامية جمعاء..
من هذه المقدمة التأريخية نفهم أن عُمر اللغة العربية يتجاوز الألفي عامٍ وبهذا المعنى فهي أقدم لغة منطوقة اليوم في العالم لأن أخواتها من اللغات القديمة كاليونانية واللاتينية والسريانية قد اختفت تقريباً وظلّت هي اللغة المعمرّة.
إن سبب طول عُمر لغتنا كما يجمع الدارسون هو كونها لغة القرآن وإن القرآن غير قابل للترجمة في أداء الصلاة وكذلك في المرجعيات الفقهيّة والأحكام الشرعيّة ومن هنا تأتي ضرورة التواصل مع العربيّة لكل شعوب العالم الإسلامي التي يتجاوز عددُها المليار نسمة.
هذه الخصوصّية تمنح اللغة َالعربّية أهميةً فوق العادة وتصونها وهو ما حصل ويحصل الى يومنا هذا كما أوضحنا.. ولكن الى متى؟
الأمرُ ليس خالياً من الأخطار لأن اللغة اللاتينية وقبلها اليونانية القديمة كانت أيضاً لغاتٍ مرتبطةً بأديان وطقوس كما هو الحال في اللاتينيّة حيث كان القُدّاس حتى القرن الثامن عشر يُؤدّى باللغة اللاتينية في كل أوربا المسيحية ولكن، بتضاؤل دور الكنيسة وانحسارها بعد الثورة الفرنسية، تراجع حضور اللاتينيّة وحلت محلها اللغات المحلية كالفرنسية والايطالية والاسبانية، واختفتْ إِثْرها اللاتينيّة من الحياة العامة.

إن التدهور الكبير وتراجع قيم وقواعد اللغة العربيّة اليوم في كل انحاء العالم العربي يُنذرُ بخطر وَشيك يُهدد حُضورَ هذه اللغة خاصة وأن اللهجات المحلية – ومنذ منتصف القرن المنصرم – بدأت تزحف على اللغة الفصحى حتى في الشعر والأدب والفكر ولم يعد للغة الفصحى اليوم الاّهامش صغير محصور بين أفراد النخبة والمعاملات الرسميّة.
لكن شيوعَ الخطأ كتابةً ونُطقاً وهيمنة الابتذال على جماليات اللغة وخصوصيتها وانتشار لغة هزيلةٍ لاهي بالعامّية ولا بالفصيحة تُشيعُهُا وتدافع عنها شبكات التواصل الاجتماعي، كل هذه الاعراض إن استمرت – وليس هناك من رادع – فإنها ستقُصي اللغَة الام عن حضورها السائد وسيكون مصيرُ العربيّة كاللاتينيّة واليونانية والسريانية في وقت ليس ببعيد..