لكي لا .. عن أجيال الهامش في العراق

شوقي عبد الامير

سيصبحون جيلاً وأيُّ جيل؟. إنَّهم الأطفال الذين يملأون الأرصفة والمناطق الموحلة والمهجورة ومعسكرات اللاجئين والمُهجَّرين الذين بلغت أعدادهم بضعة ملايين (لا توجد إحصائيَّة دقيقة) لكنَّهم بالتأكيد يشكِّلون ثقلاً اجتماعيَّاً اقتصاديَّاً نفسيَّاً في هامش حياتنا اليوميَّة.. يسكنون في ما يعرف بـ «العشوائيات» أو «الحواسم» أو «الصرائف الأكواخ» كما هو متعارف على تسميتها سابقاً.. منتشرون في فضاء قاتم من البؤس والإهمال والفقر والمرض… والجريمة.
ليس المهم الآن تحديد الرَّقم أو الهويَّة الاجتماعيَّة، فهم عراقيون من مختلف مكّونات هذا الشعب وهم أعداد هائلة من الأطفال متروكون لمصيرهم وليس هناك من خطط أو برامج رعاية أو إيواء أو احتضان أو حماية لهم من أن ينزلقوا في مهاوٍ ومسالك لا تحمد عقباها.. فلا العائلة قادرة على فعل شيء بسبب كونهم أيتاماً أو أنَّ آباءهم لا يقدرون على فعل شيءٍ في ظل الفقر والبطالة والدولة لا تُقدمِّ لهم شيئاً يذكر. وهكذا تمرُّ الأيام والسنوات، تتزايد أعدادهم وتتفاقم الأمراض الاجتماعيَّة وتتصاعد الأخطار من كلِّ نوع..
ماذا عساني أن أضيف من ملامح البؤس والتَّعاسة والخطر لنرى الصورة الأكمل لهذا الواقع الذي نشهده كلَّ يوم ولا نستطيع إزاءه فعل شيء..
إنَّ الخطر الأكبر هو استمرار هذا الوضع لجيلٍ بأكمله يكبر في هامش حياتيٍّ ثقافيًّ كهذا.
لن يتأخَّر اليوم الذي سنرى فيه هؤلاء الأطفال الذين وُلِدوا وكَبِروا في ظروف لا تطاق كهذه وهم يتحوَّلون إلى عصابات وقواعد وتيارات للعنف والرَّفض لكلِّ شيءٍ، لا الدولة ولا الدين ولا الأخلاق ولا الأعراف.. لا شيء يمكن أن يُوقِف مدَّاً أسودَ كهذا إذا ما تركناه ينمو ويتغوَّل على هامش حياتنا..
سيفوت الأوان عندما نستفيق ونرى هؤلاء الصبية بوجوههم الكالحة ونظراتهم الشاردة وابتساماتهم الشاحبة وقد تحوَّلوا إلى معاول بشريَّة لهدم كلِّ شيء يقف بوجههم.. مضت سنوات لحد الآن.. ولم تَبقَ إلّا سنوات أخرى ليست بالكثيرة لنقف أمام هذا المشهد المرعب.. لا تظنّوا أنَّ الأمر سيتأخّر ولا أنَّنا سنفلت من لعنتهم وغضبتهم.. هم يعيشون في ما يُعرف بـ «المؤجل الدائم» وهي فكرة الأمل بالعودة إلى ديارهم أو بتحسين أحوال معيشتهم..
هذه «الحقنة» المركَّزة من مُخدِّر «الأمل» سينتهي مفعولها وقد بدأ..
لا تتركوا مثل هذا الأمر يحدث، ما زال بالإمكان فعل شيء لإقصاء خطر كهذا.
إنَّ المنظمات الدولية والعالم أجمع يمكن أن يساعد في هذا الميدان ولكن علينا أن نبدأ.. إنَّ منظمة اليونسكو واليونسيف والأمم المتَّحدة على سبيل المثال يمكنها أن تساعد بشتى الإمكانات وأن تُنظِم ملتقىً دوليَّاً لهذه الغاية، لأنَّ الأمر ليس فقط بحاجة إلى الدعم المالي إنَّما البعد التربوي ودراسة حالة هؤلاء الأطفال وإعداد البرامج الخاصَّة بتعليمهم أمر مهم أيضاً لأنَّهم ليسوا في وضع متساوٍ كالأطفال الآخرين الذين يعيشون حياة طبيعيَّة أو شبه طبيعيَّة لذا توجَّب الأخذ بنظر الاعتبار وجود مخطَّط شامل يتعلَّق بالتعليم والتربية والإعداد النفسيّ والبيئيّ… الخ.
«ما حكّ جلدك مثل ظفرك»، علينا أن نبدأ، أي أنْ تتحرَّك جميع الجهات المعنيَّة باتجاه وضع سياسة إنقاذ متكاملة لهذا الجيل الهامشيّ من أطفال العراق..
إنَّ كلَّ الجِّهات والوزارات والمؤسَّسات ذات العلاقة مدعوَّة إلى وقفة لوضع الخطط والسياسات التي يجب اتِّخاذها بأسرع وقت.. وإذا ما تحرَّك العراق فسيجد الكثيرين في العالم يقفون إلى جانبه.
لكي لا ننتظر وقوع الكارثة.. لكي نحمي هذه الملايين من أبنائنا.. لكي نعرف مواطن الخطر ولكي لا نبكي على حظنا بعد فوات الأوان.. لكي لا …