لمحة من كتاب «دماغ البوذا»* عن الشفقة والحزم

ترجمة حربي محسن عبد الله

جلست في مجلس مركز التأمل لمدة تسعة أعوام، كنت غالباً ما أُصدم بالكيفية التي يعبر بها معلموه عن وجهات نظرهم. كانوا متسامحين فيما يتعلق بالآخرين، لكن عندما يقولون بماذا يفكّرون، يفعلون ذلك بكل وضوح وبكل قوة في أحيان كثيرة، بلا نحنحة أو تَلعثُم. بعدئذٍ لا يجعلون من الأمر دفاعياً أو جدلياً. كانت هذه التركيبة من انفتاح القلب والمُباشرة قوية للغاية. وفي الوقت الذي يتمّ فيه إنجاز المهمة يترعرع الحب في الغرفة.

كانت هذه الشفقة وهذا الحزم يعملان سويّة. كانا الجناحين الذين يجعلان أية علاقة تغادر الأرض وتبقى محلّقة. يدعمان بعضهما البعض: الشفقة تجلب العناية للحزم، بينما الحزم يساعدك على الشعور بالراحة بمنح الشفقة عندما تعرف أن حاجاتك الخاصة سوف تتلاقى. الشفقة توسّع دائرة الـ (نحن) بينما يحمي الحزم ويدعم كل شخص داخلها. كلاهما يغذيان ذئب الحب. في هذا الفصل، سنكتشف طرق معرفة الدماغ العملية لنستخدم ونقوّي القدرات الفطرية لتكون ذات شفقة وحازمة، وسنبدأ بالشفقة.
لكي تكون رحوماً ذا شفقة حقيقةً، يجب عليك أولاً أن تشعر بشيء مما يمر به شخص آخر. يجب أن يكون لديك تقمّص، يقطع الميول الآلية للدماغ التي تخلق «نحن» و «هم». وذلك ما سنبدأ به.
التقمّص العاطفي
التقمّص العاطفي هو أساس أي علاقة لها مغزى. عندما يحدث التقمّص بينك وبين شخص ما، يعطيك الشعور بأن كينونتك الداخلية موجودة حقيقيةً لأجل ذلك الشخص ـ ذلك لأنك ستكون أنت لـ أناه، مع مشاعر وحاجات لها مكانتها. يعيد لك التقمّص التأكيد بأنه يفهم أعمالك الداخلية على نحو ما، في الأقل، عملياً نواياك وعواطفك. نحن حيوانات اجتماعية، كما عبّر دان سيغال «2» نحتاج للشعور بالإحساس (2007).
أو لنقل أنك الشخص الذي يبدي التقمّص العاطفي. يتسّم التقمص العاطفي بالاحترام واللّطف، وعادة ما يستدعي المشاعر الودّية بالمقابل. غالباً ما يكون التقمّص العاطفي هو ما يطلبه منك كل الأشخاص الآخرين؛ لو كان هناك شيء ما لا يزال يحتاج الشخص التكلّم عنه، يمكن أن تنكبّ عليه بمزيد من الجو الإيجابي. علاوة على ذلك، كونك متقمّص عاطفيّ يعطيك الكثير من المعلومات المفيدة حول الشخص الآخر، بما فيها ما هو موجود حقيقة في دماغه، وبماذا تنشغل هي وتعتني في الواقع. في سبيل المثال، إذا كانتْ منتقدة من قبلك، استشعر أعمق متطلباتها، عملياً، وأرقّها وأكثرها شباباً. عندها ستكون لديك الصورة مكتملة، و هو على الأرجح سيقلل أي إحباط أو غضب لديك نحوها. ومن المحتمل أنها ستشعر بهذا التغيير نحوك، وستكون هي أكثر تفهّماً لنفسها.
للتوضيح: التقمّص العاطفي ليس انسجاماً ولا موافقةً. يمكنك أن تتعاطف مع شخص ما تتمنى أن يكون التعاطي معه مختلفاً. التقمّص العاطفي لايعني أن تتخلى عن حقوقك، معرفة هذا يمكنه أن يساعدك لتشعر أن التعاطف أمرٌ جيدٌ.
في الممارسة الروحية، يرينا التقمّص العاطفي كيف نرتبط جميعاً مع بعضنا البعض. إنه واعٍ ودقيق، مع خاصيّة «لا أعرف» التي تمنعك من أن تعلق بوجهات نظرك الخاصة. التقمّص العاطفي هو «فضيلة» وقوة في الفعل، وكبح في نماذج رد الفعل لكي تبقى حاضراً مع الشخص الآخر. إنه يجسّد عدم الإساءة، في حين أن الافتقار إلى التقمّص العاطفي غالباً ما يقلق الآخرين، وكذلك يفتح الباب لأذيتهم بشكل غير مقصود. التقمّص العاطفي يحتوي على الكرم الفطري: تُمنح الرغبة الطوعية لتتحرك بطلب من قبل شخص آخر.
انهيار التعاطف
مع كل منافعه، فأن التقمّص العاطفي يختفي بسرعة خلال معظم الصراعات، ويضمحل ويتلاشى ببطء في الكثير من العلاقات الطويلة الأمد. لسوء الحظ، التقمّص العاطفي غير الملائم يجعل الثقة تتآكل ويجعل من الصعب حل المعضلات في العلاقات بين الأشخاص. تذكّر فقط المرةّ التي شعرت بها بسوء تفاهم – أو أسوء من ذلك، الوقت الذي لم يرغب الشخص الآخر حتى بأن يفهمك. تاريخ انهيار التعاطف له آثار؛ على الأكثر قابلية للجرح أي الشخص الحسّاس الذي يتعرّض لأكبر الأثر. في سبيل المثال، مانح التقمّص العاطفي غير الكافي غالباً ما يقود لتواصل غير آمن مع الطفل الصغير. في العالم الأكبر يؤدي الانهيار العاطفي إلى الاستغلال، والتحامل، والوحشية الفضيعة. ليس هناك تقمّص عاطفي لدى ذئب الكراهية.
كيف تكون متعاطفاً
يمكن لمقدرتك الطبيعية على التقمّص العاطفي أن تتنامى برويّة، وتُستخدم ببراعة، وتصبح أكثر قوة. هنا سنتعلم كيفية العمل مع دوائر الدماغ العاطفية.
تجهيز المنصّة
استحضر انتباهك الواعي لتكون متعاطفاً. في سبيل المثال، عندما أدرك بأن زوجتي تريد أن تخوض في واحد من تلك الأحاديث ـ كونها ليست سعيدة حول شيء ما، من المرجّح أن أكون أنا ـ أحاول أن آخذ بضع ثوان لكي أذكّر نفسي بأن أكون متعاطفاً وليس كسيحاً، وذلك مايشعرني بتحسّن لكي أكون متعاطفاً. هذه الخطوات الصغيرة تنشّط القشرة ماقبل ـ أمامية (الفص الجبهي) PFC)) لتوجهك نحو الحالة، لتركّز انتباهك، وتشحن شبكات الأعصاب المرتبطة بالتعاطف؛ وتدفّأ أيضاً نظام الأعضاء لكي يتوجّه دماغك قُدماً نحو مكافئات التقمّص العاطفي.
بعدها أرح جسمك وعقلك، وانفتح على الشخص الآخر بقدر ما تشعر بأن الأمر مناسب بالنسبة لك. استخدم الأساليب في القسم التالي لكي تشعر بالأمان والقوة الكافية لكي تستقبل الشخص الآخر بشكل كامل. ذكّر نفسك بأنه مهما كان الذي يجول في عقله فهو هناك، وأنت هنا، تواصل معه لكن انفصل عن تيار أفكاره ومشاعره.
حافظ على اهتمامك بالشخص الآخر؛ كن معه. هذا النوع من اهتمام المؤازرة غير شائع، والناس الآخرون يقدرونه كثيراً. عيّنْ حارساً صغيراً في عقلك يبقى يراقب استمرارية انتباهك؛ هذا ما سيحفّز اللحاء «القشرة الحزامية الأمامية للمخ» ACC»، التي تجلب الانتباه نحو الانتباه. وبالمناسبة، التقمّص العاطفي هو نوع من التأمل العقلي المركّز على العالم الداخلي لشخص آخر.
*دماغ البوذا كتاب قيد الترجمة وهذه ترجمة صفحات منه.