لم أعد استطيع الغناء!

إبراهيم أحمد 

كنت أراه واقفا عند باب الإذاعة في بغداد يقلب نظره الحزين المنكفئ في الأفق المكتظ برؤوس النخيل، وجهه الأسمر الشاحب، المائل للصفرة، وبذلته الزرقاء الحائلة على جسده المترهل بعض الشيء، وحذاؤه المترب ينمان عن عوز ومكوث طويل بعيدا عن بيته ومدينته. أعرف إنهم منعوه من الدخول، ثمة أوامر لديهم بعدم السماح له بمراجعة لجنة قبول المغنين في دار الإذاعة بعد أن رفضته، ارتأت أن صوته غير صالح للغناء الإذاعي، وإن أغانيه وألحانه هابطة؛ وكما أضافت في ذيل قرارها «تنتمي لأغاني المحزومين المهزومين واليائسين المتردين،الغريبين على عهدنا الثوري الصاعد تحت ظلال القائد العظيم» بعض أعضاء اللجنة يرد على من يسأل حول قضيته: «من يتداول أغانيه هم مدمنو الخمر والمومسات وعشاق الغلمان! كيف نبثها؟» لكن أغانيه كانت منتشرة على أشرطة الكاسيتات يتداولها ويحبها كثير من الرجال والنساء وبينهم طبعا السكارى في البارات أو في بيوتهم تستحثهم على سكب دموعهم في كؤوسهم ومناديلهم! كنت استمتع بأغانيه، أسمعها وأنا أحتسي خمرتي في الليالي الحزينة. فأجد في صوته وألحانه وكلماته التي يؤلفها هو شجى عميقا ونداءات غامضة مبهمة تصل حد مداعبة أو مشاغبة قلب الوجود وهواجسه الخفية والغائبة!
وفي اليوم التالي أراه يحدق في باب الإذاعة كأنها بوابة الخلود والمجد! حين يخيب أمله كالعادة بالدخول يجر خطاه ليجلس في المقهى الذي يقع في الجانب المقابل من الشارع الذي تقع فيه الإذاعة، ويرقب بابها، لا يريد أن تفوته وجوه من يدخلون أو يخرجون منها !
جلست جنبه وكان الوقت صباحا، «استكان الشاي» بيده المرتجفة يبعث رنينا كأنه بداية أو خاتمة أغنية، قلت له بعد أن عرفته بنفسي:
ــــ أنت لا تحتاج لإذاعتهم، كثير من الناس يحبونك ويسمعون أغانيك في بيوتهم وحفلاتهم وسياراتهم!
قال بصوته الخافت:
ــــ لا، أنها قضية كرامة لماذا يسمحون لهذا وذاك من المغنين الفاشلين أن يكونوا مغنين رسميين ولا يسمحون لي؟
ــــ الأفضل لك أن تبقى مغني الناس، لا مغنيا رسميا !
سألني :
ـــ أتستطيع وأنت صحفي أن تحل قضيتي؟
بدت قضيته كأنها سياسية حساسة وخطيرة، مع ذلك نوهت على وجل، ونوه زملاء لي في الصفحات الفنية عن قضيته، ولكن دون جدوى!
سألني، ذات يوم:
ــــ أتستطيع الحديث مع المدير العام للإذاعة حول قضيتي؟
ــــ أنت تعرف هذا الرجل وهو من مدينتك، رأسه مغلق لا ينفتح إلا لصوت القائد العظيم، وفوق هذا هو متغطرس وحقود وكذاب!
نصحته أن يكف عن الوقوف على باب الإذاعة: «أنت أعلى من سقفها وأقواسها بكثير!»
فجأة جاء الوسيط الكبير: الموت! اجتاح البلاد على أوسع نطاق!
اندلعت الحرب ضروسا طاحنة على مدى السنوات والساعات والدقائق. وراحت الجنازات تتقاطر على المدن والقرى والبيوت، تفجر الحزن عاما شاملا، ثم صار رسميا معترفا به من الدولة وقائدها العظيم، وصارت لجنة الأغاني تبحث عن مغنين يمتصونه من القلوب والعيون كي لا يصير غضبا كاسحا!
كان المغني في مجلس عزاء لابنه الذي قتل في الحرب، جاءه إلى مدينته موظفون من الإذاعة يحملون له دعوة رسمية ليكون مغنيا رسميا مفضلا في الإذاعة، لمحوا له أنه سينال رضى القائد العظيم وأوسمته وهداياه! هز رأسه، مغالبا عبراته وحزنه، ليقول جملة واحدة:
ـ لم أعد أستطيع الغناء!