ليس بالمرأةِ وحدها…

طالب عبد العزيز

يزدري البعض صور النساء الجميلات، فائقات الاناقة، غير المحتشمات في الثياب أحياناً، في قراءة أخلاقية، لا تخلو من عنت وتزمت، أو هي نتاج مرجعية ثقافية ضيقة «لن نتحدث هنا عن خلاعة ما، ابداً، مع يقيننا بانها متاحة للجميع، إذ هناك الملايين في عالمنا العربي المسلم ممن يتصفحون المواقع تلك في غرفهم الخاصة» لكننا نتحدث عن صورة المرأة الجميلة، في منشور إعلاني أو على غلاف مجلة، أو في موقع الكتروني، بوصفها مسرة للعين ورسالة طمأنة، وسط عالم يتشدد من حولنا، ونرى عبر وسائل التواصل، هناك، من يبعثون لنا، يوميا، بمئات الرسائل، عبر صور قبيحة جداً، صور الموت، وإيذاء النفس في المناسبات الدينية، خاصة، صوراً صادمة، ترهق حياتنا.
تعمل البلديات في العالم المتمدن، وعبر آليات كثيرة، على التخفيف من الضغوط الحياتية، التي يكابدها المواطن يومياً، ليس آخرها صور الاعلانات، التي نطالعها في الشوارع، عبر الشاشات الضوئية، والتي ينشغل بمتابعتها مستعملو الطريق، في التقاطعات، كذلك تفعل البلديات في منح واجهات المباني للمعلنين، في ترويج سياحي أو لأجهزة حديثة أوملابس وغيرها وهكذا، يكون الأمر في التلفزيون والسينما والسوق والسوبرماركت، ويشكل جمال المرأة النسبة الاكبر في ذلك. ليس الأمر كما يتصور الظلمة والمتشددون، أبداً، ليست هناك مساحة ما للعري، وعدم الحشمة والابتذال، إنما هو فعل من إعمال علم النفس في المتلقي، وتفعيل دوره في جعل الحياة ممكنة. نتحدث عن الأصحاء نفسياً، بكل تأكيد، أما الذين يعانون من عقدة جسد المرأة والجنس، فهؤلاء خارج اهتمامنا.
أشياء كثيرة تجعل الحياة بمستوى التقبل، ونعتقد بان المرأة متناً في ذلك، الموسيقى أيضاً وكأس النبيذ، وكمال الوجود في حضور الثلاثة بكل تأكيد. ستضوع رائحة الأنثى، حيث يكون النبيذ والموسيقى، وبحضورها ينحرف اللفظ من صلادته في السياسة والدين والتاريخ الى الدنو والتأمل والاصغاء، وتتحرر اللغة من ذكورتها، لتصبح أرقَّ وألطف، وأكثر نعومة، وسيكون للموسيقى فضاء مضافاً، وإن أتت من أقصى ركن في المنزل، وإن لم نغير الأغنية. نتحدث عن امرأة، محلولة الشَّعر، تحسن اللفظ ، تذهب الى آلتها الموسيقية. بيانو، مثلاُ، وبيد من المخمل ستزيح قطعة القماش عنه، ثم، وبأناقة إحدى نساء مودلياني، تبدأ بالضرب على المفاتيح، التي كانت صامتة، قبل قليل، واذا ما أستدت أو أشتدت أصابعها، وأخذتنا الى الحلم، حيث يُبتغى، وذهبت بنا الى أقصى حدود الجمال، وطلبت منا كأساً من نبيذ توسكانا العظيم، هل بينكم من لا يسارع لها ، أبينكم من يحدثنا عن الجنة؟.
انا، لا أحلم، ولا أتحدث في وهم فضاء متخيل، إذ، لن يكون للحياة معنى خارج ذلك. أتأمل الكريستال الذي صنعت منه زجاجة الويسكي الاسكتنلدي Old Parr التي أختزنتها في الدرج، منذ اسبوعين، وأقرأ في اللوغو الملصق عليها، فأرى أنهم يتحدثون عن سنة 1871 حيث ابتدأوا بصناعته، ثم أتأمل شكل الزجاجة الأولى، التي كانت قبل نحو من مئتي سنة، أتحدث عن الشعراء والفنانين، الذين تناوبوا على احتسائها، احصي عدد القصائد التي كتبت، عدد القطع الموسيقية التي ألفت، عدد النساء الجميلات اللواتي قدمنها، عدد كلمات الشكر والاستحسان التي سمعنها. هل لي ان احصي عدد الرجال الذين تأملوا مارلين مونرو على شاشات العرض في العالم، هل يمكنني انتزاع صورتها المطبوعة في أعين الملايين، الذين أوقفوا حياتهم على لحظة عائمة عند صدرها، أو الذين عثروا على حلمهم في طية بتنورتها، لا أريد أن أذهب في بعيداً، لكنني أقول لولا المرأة لما كان للوجود معنى، ولولا الموسيقى لما خلق الله لنا الآذان ولولا كأس النبيذ لأكتفينا بأكل العنب.