مأساة الفرح عراقيَّاً

شوقي عبد الامير 

يتعوَّذُ العراقيون من الفرح فيقولون كلمتهم الشهيرة التي لا تعرفها بقيَّةُ الأمم « اللَّهُمَّ اجْعلْها ضحكةَ خير».. لأنَّهم كما يبدو وعبرَ تأريخهم الطويل من المآسي والتراجيديا بالمعنى اليونانيّ لم يعرفوا ديمومةَ الفرح، إذْ غالباً ما يُباغِتُهم القدرُ فينقضَّ على ابتساماتهم وفرحهم ليُحيلَه مآسيَ وعذاباتٍ..
بغداد العاصمة الوحيدة ـ على سبيل المثال ـ التي احترقت ودُمِّرت أكثر من ثلاث عشرة مرَّة في تأريخها، بالرغم من أنَّها اختارت لنفسها اسماً هو «مدينة السلام» وكأنَّها تعرف ما يُخبِّئُ لها القدر..
ليستْ بغدادُ وحدها إنَّما العراق القديم/ بلاد ما بين النهرين منذ أور وأبناءُ هذه البلاد يكابدون أعتى أصناف المآسي والأحداث الدَّامية.. إنَّ ملحمة «الشعب ينوح» السومريَّة التي يرجع تأريخها إلى 25 قرناً تكفي للإشارة إلى عُمق الجرح العراقيّ..
هذه المقدمة التأريخية فقط للإشارة إلى أنَّ التراجيديا العراقيَّة أقدم بكثير من اليونانيَّة التي شاعت في العصر الحديث وصارت مرجعاً في الآداب والفلسفات والحياة المعاصرة.
إنَّ تراجيديا الموصل اليوم تُذكَّرنا بهذا القدر العراقيّ الدَّامي وهي تأتي في حلقة مآسٍ لم تنقطعْ منذُ عقود طويلة في حياتنا قبل وبعد سقوط الديكتاتور..
لقد أنجزَ الديكتاتورُ المقبورُ أكثر أشكال المآسي دمويَّةً في تأريخ العراق ولمّا تزل جراحها لم تندمل بعد أن توالت على العراقيين مآسٍ ونكبات لم تتوقف، فعرفنا سنواتِ الجمر في عامي 2006/2007 وعرفنا «سبايكر» وعرفنا حربَ تحريرِ نينوى والأنبار وصلاح الدين وما جرَّتْ من مواكب للشهداء والضحايا والأيتام…
وها هي الموصل التي لم تلملم جراحها بعدُ تحاول بجمالٍ وبطولةٍ أن تطوي صفحة سوداء دامية من حاضرها لتبتسمَ ليومٍ جديدٍ، مُتَّخذةً من رمزِ النوروز شارةً ومناسبةً تخرج فيها إلى الحياة وتوقد شموع الفرح ونار الأمل.
لكنَّ القدر يصرُّ أنْ يتصدَّى لها من جديدٍ لتتكسَّرَ الفرحةُ أمام صخرة المصير والأقدار الكالحة.. فتتحوَّل اللحظات المشرقة التي خرج أهل الموصل فيها للاستحمام بنور الحياة إلى كابوس دامٍ وجرح أعمق من جراح الأمس..
لا أريدُ البحث في أسباب مباشرة تتعلَّق بأداء مُديرٍ أو مسؤولٍ سياحي أو إداري مهما كان مستوى مسؤولياته، ذلك لأنَّ تخلُّفَهُ عن أداء عمله أو خيانته مسؤولياته؛ كلّها ذرائع تلعب بها الأقدار للإطاحة بالفرح العراقيّ..

لا يجب أنْ يفهم من كلامي هذا البحث عن أعذار لهؤلاء الذين تسبَّبوا في كارثة كهذه، إنَّما على العكس يجب الاقتصاصُ منهم وجعل هذا القصاص نموذجاً ورادعاً..

وهنا أريد أنْ أؤكد أنَّ الخلل الأكبر الذي يتسبَّب في المزيد من مآسي هذا الشعب اليوم هو انحسار وغياب بل وهدم كيان الدولة العراقيَّة وأنَّ أوَّل هدف وأسمى هدف يجب أن تعمل من أجله كلُّ قوى الشعب العراقيّ، مؤسساتٍ وأحزاباً ومكوناتٍ وتياراتٍ وأفراداً هو ترميم هيكل الدولة وبناؤها على الوجه الصحيح عبر التَّصدي لآفة الفساد بكلّ أشكاله وبناء مجتمع المواطنة وسيادة القانون..
هذه هي أبجديات السلطة الحضاريَّة والمجتمع المتمدِّن في كلِّ القارات واللغات والثقافات، لا أحد فوق البسيطة يمكن أن يختلف في هكذا شعار..
ولهذا ليس أمامنا اليوم الا السَّير من أجل بناء الدولة العراقيَّة.. الغاية المثلى التي تتقدَّم على كلِّ الأسبقيّات..