ماسيمو كاشياري في مرآة الكلمات واالأشياء

ترجمة : عبد الرحيم نور الدين

*ما المكانة التي يحتلّها ميشيل فوكو في مسيرتك الفكرية؟
– كان فوكو بالنسبة لي، مع دريدا، «كشْفا»، في عمر 20، بعد قراءة «الكلمات والأشياء»، التي قمت بها مباشرة باللغة الفرنسية. كان فوكو يُرجع الفلسفة إلى معرفة الحياة في تعييناتها المشخصة، وإلى طعم دراما وجودنا اللاذع. كان مصطلح «فلسفة» عينه يُظهر كل تجاعيده المتراكمة طيلة السنين الماضية. كان ينبثق معه فكر محمّلا بهيغل ( (Hegel كتاب «العلم» – بعد ذلك بزمن طويل، ظهر لي تأثير كوجيف (Kogève ) مدهشا -، وخاصة تأثير نيتشه. برفقته، كان الأمر يتعلّق بعلم تاريخي وجينيالوجي للأشكال التي ينكشف فيها الوجود، دائما في وضعية، ودائما مرميا بداخل بنيات السلطة.

*هل بقي الدين الذي عليك تجاه فوكو دون تغيير؟ ما هي أهم تجديداته؟ وعلى العكس، ما الذي هرم دون رجعة في كتبه؟
-رغم أنَّه عرف في ما بعد تقلبات حرجة بخصوص منجزه – زد على ذلك أن هذه التقلبات حدثت في فوكو ذاته -، أنا مدين لكتاب «الكلمات والأشياء» وللدراسات العظيمة التالية حول الجنون والمعرفة الإكلينيكية، بتجارب لا تنسى، وبفرح اكتشاف بعد جديد للبحث الفكري. وبالمقابل، فإنَّ نقد «الإنسية» عند فوكو، كما في عموم الفلسفة المعاصرة، يعاني من جهل عميق بما كانته حقاً الإنسية التاريخية.
ماذا تقصد؟
إن النقد عينه الذي يوجه إلى فوكو ينطبق كذلك على هيدغر: تُفهم الإنسية كبحث من أجل تعريف أهمية الإنساني، أو مبادئ أساسية قادرة على تمييزه ببساطة في ذاته، في استقلال عن كيانه المشخص، وعن «وجوده في وضعية». ستكون هذه المقاربة خاطئة إذا ما طبقناها على الإنسية التاريخية الأوروبية. يمكن أن يكون ذلك ذا قيمة بالنسبة لبعض بناءات الأنوار الميتافيزيقية. أعتقد أن فوكو أشار إلى ذلك في المرحلة الأخيرة من بحثه، حينما تعقب مظاهر معينة للعلاقة بين الفلسفة والحياة لدى كتاب من العصور القديمة المتأخرة، الذين كانوا مرشدين كبار في مادة الإنسية الحقيقية.

*وماذا عن تفكيره حول السلطة؟
-إنَّ الدراسات المخصصة لـ «السلط الصغرى» هي المساهمات الأكثر ضعفا في منجز فوكو الخارق. كان حدسه، هنا أيضا، دقيقا: إن الرؤية الإيديولوجية والإجمالية للسلطة تحول دون الإمساك بتشابك بنيات السيادة مع «المجتمع المدني». كان شغفه بالبحث التحقيقي يدفعه إلى إيلاء اهتمام كبير بالوضعيات المشخصة. ومع ذلك، كان «جهازه»، لكي «يشتغل»، بحاجة إلى انتباه نوعي خاص جدا إلى الشكل – الدولة وإلى تحوُّلاتها، إلى مؤسسات السلطة التقنية، وكذلك إلى محاولات الجواب على أزمة الدولة بهيئات ميتا – دَولية، لم تعد فيها للتصورات التقليدية للتمثيلية البرلمانية وللديمقراطية قيمة تذكر. هذه الأسئلة المركزية مطروحة في الوقت الراهن، بينما لا يساعد منجز فوكو كثيرا على معالجتها.

*ماسيمو كاشياري Massimo Cacciari من مواليد 1944 بفينيسيا، فيلسوف إيطالي، سياسي وعمدة سابق لمدينة فينيسيا (من سنة 1993 إلى سنة 1999 ثم أعيد انتخابه ليشغل المهمة نفسها من 2005 إلى 2010 )؛ دائما ما أكد أنَّ تدبير الشأن العام لا يتم بالمفاهيم، بل بالحلول البراغماتية. من بين كتبه المترجمة إلى اللغة الفرنسية نجد: «يسوع نيتشه»؛ و»الملاك الضروري»؛ و»إيقونات القانون».

المصدر: مجلة الإكسبريس الفرنسية، 21 مارس 2018.