مايضمره النص

عواد ناصر

لليوناني يانيس ريتسوس، من قصيدة له، قوله: «أنا أختبئ لتجدني»، وما في هذا القول من متعة لعبة الأطفال «الغميضة» إلا أن الإحالة، هنا، ترتقي بلعبة الأطفال إلى لعبة الكبار، من شعراء وقراء، لاكتشاف ما يختبئ تحت النص، وما «يغطيه» الشاعر/الكاتب من معانٍ ورموز ومستويات تأويل لبلوغ اللذة لذة اكتشاف المضمر التي سيستشعرها القارئ العادي، مثل القارئ المغرض، من يحل لعبة ألغاز في صفحة التسلية.. لكن الفرق شاسع بين اللذتين: لذة القارئ العادي ولذة القارئ المغرض، فالأول سيرمي بصفحة التسلية في سلة المهملات بينما سيترسب في ذاكرة القارئ المغرض كنز من المعرفة بعد أن يعثر على ما «خبأه» الشاعر تحت نصه.
تبدو اللعبة لغوية أكثر مما هي عليه إبداعية، رغم ما في الشعر من ألعاب لغوية، ألعاب لا تخدع القارئ ولا تسليه، لأنها لعبة معرفية، فنية، عبر اللغة.
نحن، إذن، إزاء مشكلة لغوية تواجه، أكثر ما تواجه، الكتّاب والفنانين، والمترجمين معاً.
في اللغة الإنجليزية، كما العربية، مفردات تتنوع معانيها حد التناقض، وبعضها يشبه بعضها الآخر في اللغة الأخرى لفظاً ومعنى، وهذا يعود إلى فضل العولمة واقتراب العالم من بعضه بعضاً، لكن أساسه يرجع إلى الغزوات والاحتلالات واكتشاف طرق التجارة والبريد عبر الأرض في سحيق الزمان.
كم تشبه كلمة «Lad» الإنجليزية كلمة «ولد» بالعربية! لكن المعنى هنا واحد، ولا أعرف من أخذ ممن؟ إنه مثال لا غير.
هذا عن التشابه أما عن التناقض فأعقد بكثير، إذ ثمة لغات، كما يؤكد المختصون، تتعدد فيها معاني الكلمة الواحدة، مثلما تترادف معاني كلمات أخرى.
مثلاً:
نقول باللهجة العراقية: «طاح» التي لها أكثر من معنى: «سقط، وقع» و «طاح الخس» أي بدأ موسمه، و «طاح حظه» للتوبيخ.
ونقول بالإنجليزية: «Come on» وتعني «استمر» أو استنكارية «توقف» أو «اقترب» أو «أرِني»، وهي شديدة الشبه مع «كمان» في عدد من اللهجات العربية.
ولا يعين السامع، في مثل هذه الحالة، سوى السياق عبر طريقة اللفظ ونبرة الصوت.
على أن حسن النية لا يتوفر، دائماً، بين الكاتب وقارئه، بل ينشأ نوع من سوء التفاهم، كما في الحب بين المحبين، وهو «أجمل سوء تفاهم بين الرجل والمرأة» حسب أوسكار وايلد.
كوندراتوف، الألسني الروسي (سبق أن أشرت إليه في عمود سابق) قال: إن كلمة «فارغ» المكتوبة على صهريج البترول قد تؤدي إلى حريق خطير عندما يرمي أحدهم عود ثقاب مشتعلاً داخل الصهريج الذي حسبه فارغاً، كما فهمها، بينما تعني تلك الكلمة أن الصهريج فارغ بالمعنى التجاري وليس الفعلي.
أقتبس من كاترين كيربرات- أوريكيوني (*) مثلاً طريفاً، هي أيضاً اقتبسته، ينفعنا في هذا الموضع وهي تشير إلى المضمر نوعاً من الالتباس:
«-البارحة فاجأت زوجتي وأي مفاجأة! أهديتها علبة كرميل بمناسبة عيد ميلادها.
-ولماذا فاجأها ذلك إلى هذا الحد؟
-لأنها كانت تتوقع أن أهديها معطفاً من الفرو».
المضمر، هنا، هو المعنى غير المكرّس لكلمة «مفاجأة» لأن السمة اللغوية التعينية، إنها مفاجأة سارة، ولكن الكلمة تعني، كقيمة لغوية، سارة أو غير سارة، مثل «فاجأني موت صديقي».
يبقى ما يضمره النص الفني: مقروءاً أو مسموعاً أو مرئياً، عنصراً ضرورياً من عناصر «المفاجأة السارة» للمتلقي، حتى لو تمظهر على شكل سوء تفاهم بين الفنان ومتلقيه، وهو نوع من الجدل المنتج بين الطرفين لا بد منه لبلوغ مستوى ما من علاقة حسية/ جمالية/ معرفية قد نشأت بين الاثنين.
__________________________
(*) أوريكيوني، أستاذة فرنسية في علم الكلام، والكتاب «المضمر» ترجمة ريتا خاطر، المنظمة العربية للترجمة، 2008، بيروت.