ما يشبه الابتــلاء

عبد الحليم مهودر

ان العراقيين القدماء (السومريون \ الأكديون \ البابليون \ الآشوريون \ الآراميون \ الكلدانيون) والفرس والعرب أيضاً مارسوا أشكالاً ذات طابع احتفالي مسرحي، استمر ذلك عبر ممارساتهم الدينية والاحتفالية في أعيادهم، وكان لطقس صلب المسيح الذي يقوم بها نساطرة العراق. وقبله كانت تجري طقوس موت إله الخصب والذكورة (دموزي) والتي كانت تقام لمدة عشرة أيام حيث اشتقت كلمة (عاشورا) من عشتار، ولدى السومريون ما يشبه (التشابيه)، تسمى (الفوهو) اذ يستخدمون دمية من العجين او من الطين، كانت تمثل العدو الذي يراد نقل الشر إليه اذ تطرح بجانب الشخص ثم يُلقى بها في الماء مع حركات وادعية وأحياناً يستخدمون حيواناً بديلاً، يقوم الشخص الذي يعاني من مرض او مشكلة ما في حياته يرغب في التخلص منها باصطحاب عنزة إلى فراشه ومبيتها طيلة الليل وفي اليوم التالي يحفرون حفرة كالقبر يمدد فيها هذا الشخص مع عنزته، ويقومون بذبح صوري له بسكين من خشب وذبح حقيقي للعنزة، بعدها تُغسل وتُعطر وتوشح بثياب ذات الشخص ثم تدفن .

وعندهم كذلك اذا شعر الملك بخطر يهدد حياته، فكان الكهنة يختارون (سلخو) أي بديل عنه. ويقوم بمزاولة مهام الملك حتى زوال الخطر. و كذلك ما يقومون به من فعاليات في سبيل انزال المطر(دعاء الاستسقاء) .
ومبدأ التشابيه عند السومريين الاعتقاد بامكانية إحداث الشيء بتقليد عملية حدوثه وبالامكان صنع أشياء مشابهة للشيء الأصلي وأحداث التأثير على هذه الأشياء المشابهة، فأن ذلك يؤدي إلى احداث التأثير في الشيء الأصلي . وهي من تأثير السحر .
ان اتصال العرب باليونان قبل الإسلام، مع ذلك لم نلمس تأثر العرب باليونان (الشعر والمسرح). الا أنه وصلت شذرات من العصر العباسي فيها أنماط من الممارسات لا تخلو من مشاهد تمثيلية .
تكرست في ( المقامات والسماجات والقصة خون والبوراني وخيال الظل والمراثي الحسينية )، وقد سمح البويهيون لطقوس العزاء الحسينية بشكل علني والسير في الشوارع هذه الطقوس الشيعية قد أسسها الصفويون منذ القرن السادس عشر الميلادي وفي اواخر الفترة القاجرية ظهرت التشابيه، وكان الولاة العثمانيون يمنعون دخولها إلى العراق واستمروا على ذلك أكثر من قرنين حتى جاء الوالي علي رضا باشا فسمح بذلك اي في اواخر القرن التاسع عشر. وقد قام البصريون بعمل تشابيه في الشارع العام ونشرت سلسلة من صورها في جريدة البصرة عام 27\8\1923م وتكرر الامر في 14\8\1924م.
اما المسرح الذي تبلور في بلادنا في بداية القرن التاسع عشر ( نهاية القرن الثالث عشر الهجري) بفعل الاحتكاك مع أوربا، وكان للأديرة والكنائس والمدارس والجمعيات والنوادي الثقافية التي اخذت على عاتقها النهوض بالحياة المسرحية .
كان يمارس بمعزل عن مسرح اوربا مسرح اخر يعرف بالتشابيه في العراق وايران، وان اول من شاهده من الاوربيين (فرانكلين) انكليزي عام 1788م في ايران واطلق عليه (عرض مسرحي درامي)، وقد انبهر المخرج (بيتر بروك) كما يروي عنه (كوتوفسكي) في ــ نحو مسرح فقيرــ؛ شاهدت في قرية ايرانية نائية شيئاً من اقوى الأشياء التي شاهدتها في المسرح.
المسرح في نشأته عند اليونان كان تؤدى فيه مسرحيات ( المأسات والملهات) لتصبح في ما بعد العلبة الايطالية وقد نظر له ( ارسطو) إلى ترسيخ الألتزام الصارم بالنص وحدود التحرك وايهام الجمهور بأن ما يحدث على المسرح قد حدث او ممكن الحدوث ، ثم تطور ..
وجاء (برتولد بريخت) بالمسرح الملحمي والتغريب لكسر الوهم ليزيل الحائط الرابع ويشرك الجمهور في العرض وتذكير المتفرجين بأن ما يراه على منصة المسرح ليس الحياة وانما هو كذبة، استعراض لكن عليه ان يستخلص نتائج من اجل تغيير الحياة ..
وكل العروض والمسارح متفرعة عن هذين الاصلين .
اما التشابيه تسعى إلى عكس ذلك في المسرحين (العلبة والتغريب)، في سعيها تضيق المسافة الفاصلة بين الوهم والواقع وجر المتفرجين لمحو الحدود بينهما والقدرة على اقناع المتلقين بأن الحادثة وقعت كما يراها الآن تحت بصره، الجمهور يستمع ويحوّل ما يراه إلى حدث الذي الكل يعرفونه (لا احد غريب عن القصة) ومن خلال نبرة الصوت (الالقاء) والحماس يتحرك وعيهم الجمعي ويشعرون ويعيشون الحدث كما لو حدث الآن، فمتى عُدَّ الحدث حقيقياً عند جماعة، ما لم يترسخ بقاؤه في ذاكرتها الجمعية ونقله بطريق الرواية الشفوية بل يمكن تجديده في الشعائر الاحتفالية ويتجدد الحدث في كل سنة وكلما تجدّد عانق الجمهور هذا الحدث التشبيهي وبالعودة إليه وباستحضاره يشعرهم بأنه يملك وجودهم ويكفر خطاياهم بمعاينة واقعية. صورة الزمن المأخوذة من الكتب (المقاتل) التي تشكلت من خلال عيون الجمهور لتربط المشاهد مع مشاعرهم، لهذا تظهر المشاهد التمثيلية (التشابيه) في عقولهم كعالم حقيقي ومقنع وعدم ملاحظة الفرق بين الدراما والحقيقة وتكون الشخصية (الممثل) اقل اهمية من صاحبها المبجل (الخير) وحتى (الشرير) فهي لاتحتوي على حوارات وان وجدت فهي مقاطع شعرية، بل يتعمد على جعل المشاهد ينسى ان فيها (راوي) يروي له ويضعه في انطباع بأن العمل يتولد من تلقاء نفسه، فيعيشون تلك الملحمة ( الطف) القديمة كما لو أنها الحقيقة. ان التشابيه على الرغم من ارتباطها بواقعة الطف الا انها طقوس اختلطت مع ما في الشيعة من تراكمات ميثولوجية على مدى قرون فظهرت على شكل قناعات تتجسد فيها واقعة الطف بالتمثيل .
والتشابيه تنتمي في بعض ملامحها إلى المسرح الاسيوي (الفارسي \ الهندي \ الصيني الياباني) كمسرح (النو\ الكابوكي) ، ويمكن مقارنتها بما يعرف (مسرح الاسرارالدينية) في القرون الوسطى، الا أن عروضه تبتعد عن المسرح الاوربي ( ارسطو وبريخت) . فأن كان المسرح الأرسطي ميتافيزيقي والمسرح البريختي مادي، فأن مسرح التشابيه عقائدي..
والتشبيه في اللغة
شَبَّه : أبهم عليه الأمر \ ألتبس عليه الأمر \ شبه الشيء اي تشبه به
شابهه: أشبهه والشَّبْه ؛ المثل وجمعه اشباه والشّبه غير الذهب
او هوالنحاس (حوز شبه) ، وفي العصر الحديث (الفيش والتشبيه).
وفي النحو
التشبيه : كتشبيه الرجل بالاسد في شجاعته.
وقد جاءت في القران على اوجه { وقولهم انا قتلنا المسيح بن مريم رسول الله وَمَا قَتَلوهُ ومَا صَلبُوهُ وَلكِن شُبَّهَ لهُمْ وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً } 157 النساء ــ ان عملية الصلب بحد ذاتها عمل درامي .
وفي اية اخرى { إنَّ البَقِرَ تَشابَهَ عَليّنَا }
وفي اية اخرى { منْهُ آياتٌ مُحكَمَاتٌ هن أمَّ الكِتابِ وَأخر مُتَشَابِهَات }
والمشبهة ؛ نحلة دينية ( يشبه اصحابها الخالق بالمخلوقات ).
والتشبيه عند البيانيين التمثيل وعند السريان التنظيف وعند ارسطو تعني التطهير وحتى التطهير من الداخل .
ولعلها جزء من علاج ( سايكودراما) عند المسحيين ولجأ إليها التوابون كطريق للندم فقد شكلوا حلقات تجلد ذاتها للتطهير بسبب تخاذلهم في نصرة الامام الحسين(ع) ، فقد اتخذوها وسيلة للتعبير عن ندمهم ، وقد اتخذ (المختار الثقفي) التعزية والنواح في الكوفة وسيلة ومارسها الفاطميون في مصر .
والتطهير قد يتخذ شكل الرقص والتماهي العنيف ولدينا في الوقت الحالي ( الزيران والنوبان ) وكذالك ما يقوم به الدراويش ( المتصوفة ) في حلقاتهم، وهي ممارسات لها طابع جلد الذات الا انها محصورة في بيوت محدودة وتكيات لا تخرج للشارع بل فيها قواعد صارمة حتى في مشاهدتها .

التشابيه عند الشيعة اقترنت مع عاشوراء ومقتل الامام الحسين (ع) . تحول روحي من عالم المروي إلى حيث تدور التشابيه ــ ملحمة اللطف ــ انه عمل ممسرح على الرغم من اقتصاده اللغوي الا إنه معدل عن صيغته الواقعية التأريخية إلى (رمز) يجعل منه نسق فني ، فحقيقته التمثيلية أكثر دلالة مما هو عليه في الواقع يسمو بالتشابيه إلى ملحمة داخلية . ان الجمع بين الحزن والتخيل بصورة لا يمكن الفصل بينهما مع ان العرض يخفي في طياته البساطة واالشفاهية مكررة مع ذلك يثير اشكالية وجرأة ابداعية وبفضلها يتبدل الواقع إلى عالم رؤوي قد يحدث بطريقة تلقائية بصمت ذات مغزى واحداث مكتومة ومن دون تأمل مسبق وهو ليس تجاور وانما تكامل في العرض تذوب فيه الحدود بين الوهم والتخيل والواقع . وتقسم إلى عدة مشاهد ابرزها؛ جيش يزيد وابرز شخصياته ( عمر بن سعد \ الشمر \ حرملة ) وهم يلبسون ملابس حمراء ، اشارة إلى الشر؛ وجيش الامام الحسين (ع) وابرز شخصياته (الحسين \ العباس \ علي الاكبر \ القاسم \ السجاد \ الرضيع \ السيدة زينب \ حبيب بن مظاهر \ الحر ) ويرتدون ملابس خضر في اشارة إلى انتسابهم للرسول محمد (ص)، اما الصحابة فيرتدون ملابس بيضاء اشارة للنقاء.

نحن امام اشكالية في تصنيف التشابيه وفي انتمائها للاعمال الدرامية وللمسرح !!
وهل هي مسرح ؟
هناك مجموعة من العناصر الأساسية تشكل بمجموعها بنية العرض المسرحي ؛
( النص \ الاخراج \ الممثل \ التقنيات \ مكان العرض \ الجمهور )
عرض التشابيه يروي حكاية واحدة ( واقعة الطف) بتنويعات مختلفة ــ حذف \ اضافة مبنية على كتب التاريخ والمقتل، والنص المستل والمعد للعرض غير متفق عليه في كل العروض، ولكن الممثلين والحضور يعرفون واقعة الطف. والنص في الغالب لا يخضع للزمان والمكان مع ان احداثه مرتبطة بحادثة وقعت في (61هـ)، وهذه الواقعة تجسد سلوك الإنسان والثبات على الحق على الرغم من معرفة المصير .. ( النهاية)..
في كل العروض لابد من وجود منسق (مخرج) وهو من يدير العمل ويوجه الممثلين ويعطي توجيهاته في بعض الاحيان للجمهور، وعمله يقترب من عمل المخرج المسرحي في المسرح ، فتراه يرسم سير العمل وتجسيد الواقعة وتوقيتات تحرك الممثلين .
والممثلون (الممثل) تراه متفانيا فيما يؤدي ويحاول ان يعطي مصداقية قادرة على اثارة الجمهور ويتزي بأزياء تأريخية ويستعمل ما يتوفر إليه من تقنيات (ملابس \ خيول \ مكبرات صوتية \ ابل \ طبول \ صنجات \ اعلام \ سيوف \ رماح \ دروع \ خيم \ اكسسوارات اخرى) لتقريب ومحكات الواقعة قدر الامكان ، وهو منفصل عن الشخصية التي يمثلها ، فيغلب عليه استخدام ( قال فلان او عمل فلان) وشخصية الحسين (ع) تردد كثيراً؛ (الا من ناصر ينصرالحسين) واذا كان يؤدي شخصية خيرة تراه يذكره ويصلي عليه (عليه السلام) اما اذا كان يؤدي شخصية شريرة فيلعنه، وهو يقصد الشخصية التي يمثلها فتبقى مسافة ادائية بين الشخصية والممثل ، ذاته منفصلة بشكل لا فت عن الشخصية المؤداة ــ ( انا الممثل وهو ..) وتراه اذا رن (الموبايل) سوف يرد واذا احتك بالجمهور سوف يرد عليهم حتى بالشتيمة او رمي الحجارة ولا يتردد في التدخين او يركب دراجة هوائية بدلاً عن الفرس .. الخ من التصرفات التي هي ليست من صميم عمل التشابيه ، ولاننسى ان (المشبه) يأتي من عامة الناس ( عامل \ كاسب \ بناء \ سائق ..) ومن غير تدريب فالعمل ليس فيه (برفو) واذا طلبت منه المشاركة في عمل مسرحي سوف يرفض. والشخصيات نمطية غير قابلة للتحول (الخير خير والشرير شرير) .
اما مكان العرض ، فالمكان مفتوح و واسع نسبياً كساحات العامة خالي من (ديكور) وقد تنصب بعض الخيم لتحرق لاحقاً والساحة يحيط بها الجمهور الذي سرعان ما يندمج مع طقس التشابيه ، ويتفاعل الجمهور مع الاحداث التي تجري امامهم ويسجل لهذا الجمهور انه لا يوجد ما يماثلهم في العالم، وهو ما تطمح إليه كل العروض المسرحية بجمهور متفاعل متجاوز الايهام (مسرح الايهام)، فأن الايهام متبادل بين من يقوم بالتشابيه والجمهور، والجمهور من خلال العرض الذي يجري امامه يصل إلى التطهير عبر ( البكاء واللطم والصراخ وحتى الاعتداء على الاشرار).
عروض التشابيه تؤدي بحدودها الشعبية ويشكلها الحس الشعبي فهي ترتبط بقضية اعلى من وجودها (عقائدية) ــ قصة مقتل الامام الحسين (ع) .
وهذه العروض عُدّت مسرحاً بشكلها الدرامي لا سيما في جوانب (الحركة \ الإيقاع \ الفكر) وانا ارى ان هذه العروض مسرح .. وهو مسرح بحق .. وهو مسرح ثالث يحتوي على كل مقومات العروض المسرحية ـ تستحق ان نطلق عليها مسرح التشابيه (التعزية) حيث ابقى بينه وبين المسرح الاوربي {الارسطي او الديني او التراجيديا ( العلبة الايطالية) والمسرح الديني ، او الابريختي او الفرجة والعروض الشعبية والرصيف المتجهة للتغريب} مسافة تتيح له ان يكون مسرحاً مستقلاً .. وكذلك تفصله مسافة مع المسرح الاسيوي(الايراني\الهندي\ الصيني\ الياباني).