ما يُمكن شَرْحه، ليس شعراً

شاكر لعيبي

وليام بتلر ييتس، شاعر وكاتب مسرحيّ أيرلنديّ (1865 – 1939) ومن أهمّ شخصيات أدب القرن العشرين. وبصفته أحد أعمدة المؤسسة الأدبية الأيرلندية، فقد ساعد في تأسيس مسرح آبي Abbey في دبلن، وفي سنواته الأخيرة خدم عضواً في مجلس الشيوخ عن الدولة الأيرلندية الحرة لفترتين. كان قوة دافعة للنهضة الأدبية الأيرلندية إلى جانب ليدي غريغوري وإدوارد مارتين وآخرين.

ولد ييتس في سانديماونت بأيرلندا وتلقى تعليمه هناك وفي لندن. أمضى عطلات الطفولة في مقاطعة سليغو ودرس الشعر منذ سن مبكرة عندما أصبح مفتوناً بالأساطير الأيرلندية والغوامض. تبرز هذه المواضيع في المرحلة الأولى من عمله التي استمرت حتى نهاية القرن العشرين تقريباً. نُشر عمله الشعريّ الأقدم في عام 1889، وقصائده تتميّز بأنها بطيئة الإيقاع أو غنائية وتُعلن دينها لإدموند سبنسر وشيلي وشعراء جماعة ما قبل الرافائيليين. في عام 1889 قابل ييتس الفتاة مود غون البالغة من العمر 23 عاماً وكانت وطنية أيرلندية متحمّسة وتصغر ييتس بثمانية عشر شهراً وادعت لاحقاً أنها التقت به باعتبارها «طالبة رسم». فافتُتن ييتس بها بهوس، وكان لها تأثير كبير ودائم على شعره وحياته بعد ذلك. لم يكن حب ييتس متبادلاً وذلك جزئياً إلى تردّده في المشاركة في نشاطها النضاليّ.
منذ عام 1900 تطور شعره نحو ملمس أكثر حسيّة وواقعية. وتخلى إلى حد كبير عن معتقدات شبابه المتعالية، رغم أنه ظل منشغلاً بالجوانب الصوفية والروحية، وكذلك بنظريات التعاقب في الحياة.
بحلول عام 1916، كان ييتس يبلغ من العمر 51 عاماً ومُصمّماً على الزواج، فطلب يد السيدة الطليقة مود جون في منتصف عام 1916، فرفضته ثم يد ابنتها إيسولت غون Iseult Gonne ورفضته، وتزوج أخيراً من جورجي هايد Georgie Hyde. في عام 1923 حصل على جائزة نوبل للأدب. توفي في 28 يناير عام 1939 بفندق Idéal Séjour في منتون، فرنسا، عن عمر 73 عاماً. تمّ دفنه بعد جنازة سرية وخاصة في «روكيبرون – كاب – مارتن» الفرنسية. وقد بُذلت محاولات لثني الأسرة عن الشروع في نقل الرفات إلى أيرلندا بسبب عدم التأكّد من بقاياها، وكان قد تم استخراج جثته ونقلها في (صندوق عظام الموتى). في أيلول عام 1948 نُقل أخيراً جسد ييتس إلى فناء كنيسة سانت كولومبا St Columba’s Church في درامكليف، مقاطعة سليغو، في سفينة حربية أيرلندية.

°°°°°
«ما يُمكن شَرْحه، ليس شعراً».
°°°°°
«من الشجار مع الآخرين، نُنْجِزُ بلاغةً. من الشجار مع أنفسنا نُنْجِزُ شعراً».
°°°°°°
«الشاعر الحقيقيّ رؤيويٌّ في كلّ وقت، وسواءً كان مع أصدقاء أو دونهم، فهو وحيد مثل إنسان وحيد على فراش الموت».
°°°°°
«لقد سقطتُ في خيالات حلم يقظة، وسمعتُه متحدثاً من بعيد: «لا يوجد مَنْ يتواصل مع ربّ واحد فحسب»، كان يقول، «وكلما عاش الإنسان في المخيّلة وفي إدراكٍ مُصفَّى، زاد عدد الآلهة الذين يقابلهم ويتحدث إليهم، فيندرج تحت سلطة رولاند الذي يُعْلن إرادة الجسد وسروره بآخر بوق في وادي رونسفال Roncesvalles، و[سلطة] هاملت الذي رآهم يهلكون ويتنهّدون. و[سلطة] فاوست الذين بحث عنهم بأعلى وأسفل العالم فلم يجدهم؛ وتحت سلطة كل تلك الآلهة التي لا حصر لها التي اتخذت هيئات روحية في أذهان الشعراء الحديثين وكتّاب الرواية، والذين تحت سلطة الألوهية القديمة فازوا منذ عصر النهضة بجميع طقوسهم القديمة باستثناء التضحية بالطيور والأسماك وفوحان [نبات] الأكاليل ودخان البخور. يَعتقد الكثيرون أن الجنس البشريّ هو من صنع هذه الألوهية، ويمكنه أن يزعزعها مرة أخرى، ولكن نحن الذين رأيناهم يمرون في عُدَّةٍ صاخبةٍ وأرديةٍ ناعمةٍ، وسمعناهم يتحدثون بنطقٍ واضح ونحن نكمن في نشوة شبيهة بالموت، نعلم أنهم يصنعون البشرية دائماً ويفككونها، وهي في الحقيقة مجرد ارتعاش لشفاههم».
رولاند (ت. في 15 أغسطس 778م) هو قائد عسكري فرنجيّ في جيوش شارلمان، يعدّ أحد الشخصيات الرئيسة في النتاج الأدبيّ الذي يُعرف بمسألة فرنسا. كانت قصة مقتل رولاند في ممر رونسفال Roncesvalles مادة خصبة لأدب القرون الوسطى وأدب عصر النهضة، فكان الشخصية الأبرز وقائد فرسان شارلمان في الملحمة الشعرية الفرنسية القديمة «نشيد رولاند» التي ترجع للقرن الحادي عشر الميلادي. كما كان من الشخصيات الرئيسة في القطعتين الشعريتين الإيطاليتين العائدتين لعصر النهضة «أورلاندو إناموراتو» و«أورلاندو فوريوسو».
°°°°°°°°°°°°°°°°
«الآن كما لو كان سحراً. من العبث بالتأكيد أن أعتبر نفسي (هشّاً) أو غير ذلك لأنني اخترتُ الاستمرار في الدراسة التي قررتُ عمداً القيام بها قبل أربع أو خمس سنوات، بجانب شِعْريّ [الذي هو] من أهمّ مساعي حياتي… إذا لم أقم بسحر دراستي المضطردة فإني لم أكن لأتمكن من اختطاط كلمة واحدة من كتابي [عن] [وليم] بليك، كما أن [مسرحية] (الكونتيسة كاثلين) لم تكن موجودة على الإطلاق. الحياة الصوفية هي مركز كلّ ما أفعله وكل ما أفكّر فيه وكل ما أكتبه».
المقصود هو الكتاب المعنون «أعمال وليم بليك»، 3 مجلدات، نُشر في لندن (London: Bernard Quaritch 1893) بالإشتراك مع إدوين إليس. أما المسرحية فهي « The Countess Kathleen» من عام 1892.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«[أيها] الشعراءُ الأيرلنديون، تعلّموا صنعتكم،
غناء كل ما هو مُتقَن،
ازدراء الصنف المزدهر الآن
فكله خارج القالب من أخمص القدمين إلى الأعلى».
°°°°°°°°°°°°°°
«أنت مَحْنِيّ وأصلع وأعمى، بقلب مجهد وذهن شارد، لقد عرفتَ ثلاثة قرون من الهزل مع شيء شيطانيّ،[حيث] يغني الشعراء».
°°°°°°°°°°°°
«لا تزال أنطولوجيتي تبيع فيشتدّ غضب النقّاد. عندما استبعدتُ ويلفريد أوين الذي أعتبره غير جدير بزاوية الشعراء في صحيفة ريفية، لم أكن أعلم بأنني كنت أستبعد رجل لوحة إعلانات مزدوجة مُبجَّلة لثورةٍ، وأن بعضهم قام بوضع قصيدته الأكثر رداءة وشهرة في واجهة المتحف البريطاني الزجاجية- لكني لو كنت أعرف ذلك لكنت قد استبعدته بالطريقة نفسها. إنه كله دماء وأوساخ ومصاصة سُكّر – انظر إلى الاختيار في أنطولوجيا فابر، إذ يُسمّي الشعراء (شرائط)، (فتاة لديها خادمة) تتحدّث عن(حروب تيتانيك) -. كل العذر له ولكن ليس لهؤلاء الذين يحبونه…».
من رسالة مؤرخة بـ 26 ديسمبر 1936، في «رسائل عن الشعر من و. ب. ييتس إلى دوروثي ويلسلي Dorothy Wellesley»، ص124. أما ويلفريد أوين Wilfred Owen فهو ويلفريد إدوارد سولتر أوين (1893- 1918) شاعر وجنديّ إنكليزي من ويلز يعتبره العديد من النقاد أحد أهمّ شعراء الحرب العالمية الأولى.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«لا يمكنني الآن التفكير في رموز أقلّ من
أعظم القدرات التي استُخدمتْ إما بوعي من طرف
أستاذ السِّحْر أو بنصف لا وعي من قبل ورثة [تلك القدرات]:
الشاعر والموسيقيّ والفنّان».
°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«… فالشعر في أيرلندا كان دائماً مرتبطاً بالسحر بطريقة مُبْهَمة».
°°°°°°°°°°°°°°°
«الكلمات تَمْنَح دائماً [سِمَة القول] التقليدية إلى دلالة ثانوية. إن أحد أشغال الشعر هي أخذ المتهرّبين [عن الدرس] إلى حجزٍ وإعادتهم إلى حواسّهم الصحيحة».
التقليدية أو العرفية.
°°°°°°°°°°°°°°°
«أيّة حصة من العالم قد يمتلكها الفنّان؟
هو الذي استيقظ من حلم دارجٍ،
لكن مُبدَّداً وقانطاً؟».
°°°°°°°°°°°°°°°
لا شاعر قرأته أو سمعته أو قابلته كان عاطفياً. الذات الأخرى، الذات المُضادّة أو الذات الطباقية antithetical self، كما قد يختار المرء تسميتها، لا يحصل عليها إلا الذين لم يعودوا مُضلَّلين، وشغفهم هو الواقع. أمّا العاطفيون فهم رجال عمليون يؤمنون بالمال وفي المنصب وبناقوس الزواج، والذين فهمهم للسعادة هو أن يكونوا مشغولين للغاية سواء في العمل أو في اللهو، بحيث يتمّ نسيان كل شيء سوى الهدف الآنيّ. إنهم يجدون سعادتهم في كوب ممتلئ من نهر ليثي Lethe. [لكن] من أجل الصحوة والرؤيا والكشف عن الواقع، يُقدِّم لنا الإرث كلمة مختلفة: النشوة».
ليثي Lethe هو أحد الأنهار الخمسة في العالم السفلي أو أنهار هاديس الذي تتحدث عنه الأساطير الإغريقية والرومانية. ليثي كلمة يونانية تعني النسيان. وتحكي الأساطير الرومانية والإغريقية أن الشُّرب من هذا النهر يجعل أرواح الموتى تتقمص أجساداً جديدة تجعلها تنسى ما حدث لها في حياتها السابقة في العالم السفلي. ومن ثم فإن هذه الأنهار الخمسة تشكل حدوداً فاصلة بين أرض الأحياء وأرض الأموات. استعمل الكثير من الشعراء الأوربيين ليثي رمزاً للنسيان أو للنوم الشبيه بالموت.
الإرث بمعنى التقاليد العريقة: tradition.
°°°°°°°°°°°°°°°
«لو لم يكن هناك عصر النهضة ولا التأثير الإيطالي في سرديات البلدان الأخرى، لكان التاريخ الإنكليزي قد أصبح مُهمّاً للمخيّلة الإنكليزيّة بقدر أهمية الأساطير اليونانية للمخيّلة اليونانيةّ، لكانت العديد من المسرحيات للكثير من الشعراء قد حيكت في قصة وحيدة ذات معالم عريضة، مثل تلك الموجودة في الأسطورة اليونانية، ولكانت منحت الانطباع أن الرجال والنساء الأحياء يبدون وكأنهم يبنون أعشاشهم تحت أسقف بعض معابد العمالقة».