محيي الأشيقر.. قطيعة مع الواقعية والرومانسية

حسين هنداوي

كانت فرحتي غامرة حين عثرت عليه مؤخرا وللمرة الأولى. ولم يكن ذلك في كوبنهاغن حيث يقيم منذ ما ينيف على ربع قرن أو في لندن أو باريس حيث بقيت لدهر أقيم. ولا في بيروت أو دمشق أو غيرهما من عواصم، تشرّد كل منا بعد هروبنا في أزمنة متخالفة من ملاحقات الشرطة البعثية بسبب أفكارنا وأحلامنا الرومانتيكية المتجذرة يسارا بالفطرة ودون أدنى ندم إنما في مكتبة «الحكمة» في شارع الإمام العباس بكربلاء.

محيي الأشيقر كان قد سبقني إلى مكان موعدنا ذاك. تواضعه العفوي والجم، لا يشي للوهلة الأولى بأسرار هذا الروائي المتألق والعصامي. بيد أن اندفاعنا التلقائي في الحال، في مقهى فقير مجاور، نحو أحاديث معقدة في الأدب والسياسة والفلسفة والأصدقاء والتاريخ، جعل الوقت يمر سريعا كطيف. وعلى كل حال، كنا نعرف بعضنا جيدا عبر وسائط شتى من قبل وأحيانا منذ ربع قرن، فيما كانت خصائص مهاراته القصصية الواثقة قد أعلنت بثبات عن ملامح منها سلفا في كتاباته المنشورة وخاصة مجموعة قصصية أولى بعنوان «أصوات محذوفة» صدرت في كوبنهاغن عام 1994 قرأتها بتمعُّن، ومجموعة قصصية أخرى بعنوان «ضريح الصمت» صدرت في بروكسل عام 1994، ورواية عنوانها «كان هناك» نشرها في كوبنهاغن عام 1997. وعززت هذا التقييم، ملاحظات وذكريات أصدقاء مشتركين ونقاد اكتشفوا مبكرا، في نصه القلق والمثقل بالتأمل، مقدمات موهبة أصيلة لدى هذا الكاتب المولود في كربلاء عام 1952، والمتنقل يافعا منذ 1979 بين دمشق وبيروت حيث نشر في الصحف اللبنانية والفلسطينية، ثم مالمو السويدية وستوكهولم وكوبنهاغن وكربلاء ثانية بعد أن درس المسرح في بغداد.
واذا كانت مجموعته الأولى «أصوات محذوفة» عانت من تقاعس النقاد، فإن «سوسن أبيض» مجموعة محيي الاشيقر الاخيرة، أثارت عن استحقاق اهتماما بالغا منذ صدورها في القاهرة عام 2008 عن «دار شرقيات للنشر والتوزيع» بغلاف لعمرو الكفراوي. الا أن تجربة محيي الابداعية تحتاج إلى دراسة شاملة ومتكاملة لاستكناه ملامحها الجوهرية، حيث تفاعل نزعتين شعرية ومسرحية مع واقعية تغرى أحيانا بالهم الفلسفي، ولإبراز إضافاتها العديدة إلى المنجز القصصي العراقي لفترة العقود الثلاثة الاخيرة. وأكاد أقول المنجز الروائي، لأن قصص الاشيقر المنشورة ونصوصا كثيرة أخرى تنتظر النشر، هي أشبه بأجزاء من رواية واحدة تتوالى فصولها عن غير قصد مستفيدا من قطيعة واعية مع الايديولوجيا كما مع السردية الواقعية وحتى الرومانسية وقابلياتهما دفعة واحدة.
بكلمة أخرى، لست ضليعا في الادب القصصي المقارن كي اتناول بمسؤولية حيثيات المعطى الفني في «سوسن أبيض» أو مجمل تجربة مؤلفها الابداعية. بيد أن آراء مهمة كثيرة سبقتني في محاولة تقييمها بجرأة وإسهاب إحيانا كما لدى الاساتذة هاشم مطر أو سعد عبد الرحيم أو عبد الكريم هداد أو حسين سرمك حسن والعديد سواهم، برغم بعض الحماس الذي لا نجاة منه عادة، تطرح دلالات واثقة على استثنائية خصب التجربة ذاتها رغم بعض الحماس والاستطرادات غير الضرورية في إطرائها. فحسب هاشم مطر مثلا يندرج أدب محيي الأشيقر ضمن التجارب الحداثية الكتابية العربية لسعيه إلى «جعل النص متفوقاً على نفسه» لجهة شكل الحكاية وشخوصها وأبعاد عقدها وسبله إلى حلها عبر لغة سرد مبتكر توحي بالبحث عن «زمن جديد». وهي لغة سلسة متدفقة وملتوية غامضة في آن، في رأي سعد عبد الرحيم، تقترب أحيانا من التداعي الحر أو من لغة المتصوفة في بعض المواضع متنقلة «بين مستويات وأنساق مختلفة في السرد»، يستخدم المؤلف في مقابلها «طرقاً متباينة في البناء القصصي حتى في نسيج القصة الواحدة». لكن عبد الكريم هداد، يجد في قصص الاشيقر أيضا، «مقدرة إبداعية في تحريك شخوص روائية داخل مساحة القصة الضيقة»، معتمدا على شخوص مبتكرة وخيالات قريبة من تلك المتوهجة من سطوع الضوء السينمائي المبهر، تتفجّر بما تحمله من عالمها المتسارع بالانكسارات والخيبة، «عابقة ببيئتها العراقية المختلفة الاتجاهات الحياتية والفكرية».
لكن «سوسن أبيض» التي تضم خمس قصص هي «نار لائذة بالخزف» و«كآبة بيضاء» و«الدور الأخير» و «حسب رغبة انغمار» و«فاكهة الغرباء»، كتبت بين عامي 1993- 1998 في كوبنهاغن، لا تعني في الواقع أن تنبش «معاناة» الكاتب في الغربة أو تعكس جوانب من حياة «الوحشة والاحباط والمرارة التي يمضيها المبدعون في المنفى» كما اعتقد جزافا أنَّ عدداً من النقاد متوهمون أن المبدع، في ما يسمونه المنفى ويقصدون المهجر، لا شغل ولا عمل له سوى معاناة الوحدة والوحشة والفراق والنفي بل وجدنا تلك النصوص، لا سيما المتأخرة منها، لا تهتم بتلك الأمور بتاتا أو تعاكسها، منهمكة بصراعات وجودية لا تنتهي، معبِّرة عن حالة إبداعية سلسة وطبيعية، وتفردية وكونية في آن، هي تلك التي يعيشها أي مبدع أصيل، واينما وجد نفسه مهاجرا، يجتاز بها مرحلة البراءة وكل ما يقترن بها من مشاعر حسية أولى. فالعالم، وحسب اللحظة المعنية، كله وطن أو منفى أو مهجر بالنسبة للمبدع شرط أن يكون حقيقيا.
وفكرتنا الجوهرية الأخرى، ببضع كلمات، هي أن هوية محيي الاشيقر، وجيله من المبدعين العراقيين في بلدان الشتات، جيل الثمانينيات والتسعينيات خاصة، ومهما كانت مشاربهم الفكرية أو اللغوية، لم تنضج في حاضنة أو بيئة عراقية محضة أو على الأقل حاضنة عراقية تقليدية إنما نشأت وشبت وأزهرت وأثمرت في بيئة «هجينة» وبصفتها هذه حققت، في نماذجها العالية، عمقا خاصا وخصبا وتوترا في بعدين على الأقل هما الكوسموبوليتية والتعددية في تباين واضح مع موازياتها في الداخل التي ظلت أحادوية وأصالوية وهذا في كافة مجالات الابداع في الواقع وعلى صعيدي التقنيات والمحمولات.
فالقصة العراقية لكتّاب الخارج في التسعينيات وكذلك الرواية، واكبت وضاهت معاصرتها في الداخل على كل الأصعدة تاليا، رغم صعوبة الفصل بينهما، بحكم ما عرفته هي أيضا من معاناة تجربة متميزة بذاتها وحرية داخلية فعلية وعميقة واحتكاك بالتجارب العالمية، والامثلة عديدة، رغم أن فن القصة والرواية العراقي في العقدين الاخيرين من القرن الماضي، ظل، وبفعل حصارات لا تحصى، يراوح في استلهام تجارب ونماذج منضّبة الأعماق أحيانا الا فيما ندر. وهي حال ستتلاشى تدريجيا مع مطلع القرن الجديد حيث عاد المبدع العراقي في الداخل إلى التصالح مع حريته من جديد بفضل سقوط القمع متجاوزا في تحرريته وإنسانويته مبدعي المهجر بعيدا أحيانا وعلى صعيدي التقنيات والمحمولات وفي كل المجالات أيضا.
هناك قطعا رتابة وسطحية وحتى سرقات في نصوص وأعمال المؤلفين والفنانين العراقيين في الخارج خلال فترة القمع البعثي في العراق، الا أننا نتحدث هنا عن النماذج اللامعة ما دمنا بصدد أعمال محيي الاشيقر الذي يمتلك مفهومه الخاص عن هذا الكائن المسمّى بالمنفى تارة أو المهجر أو غير ذلك تارة أخرى.
ففي قصص مجموعاته الثلاث «سوسن أبيض» و «أصوات محذوفة» و «ضريح الصمت» كما في روايته «كان هناك»، ثمة بهجة داخلية خاصة لا منتمية ووجودية حقيقية يبثها محيي الاشيقر، تعبِّر عن نفسها بضربات فنية وجمالية تتوازن فيها المغامرة الابداعية مع «رسائل» أو مضامين تسعى إلى أن تكون حرة وبسيطة بالحدود التي يسمح بها ميل طوعي إلى لغة مكثفة حتى حدود الرمزية أحيانا، لغة يحد من غلوائها حذر مؤرق من الوقوع في إغراء الشعرية المفرطة بل فيها استلهام لعوالم مفعمة بالنبض اليومي، المنتج أو المستبطن، ومهارة وسلاسة في الجدل الداخلي، قد تكون مكتسبة من سنوات دراسة المسرح لديه، كاشفة ومشحونة بهمّ زج مكونات حية أكبر ما يمكن ومتباينة المضامين والمصائر إلى أبعد حد.
وفي هذا الصدد ثمة فعلا ولع في منح تلك المكونات تلوينات وتنويعات عراقية إنما ظاهريا وحسب، لذا يصعب حبس فن محيي الاشيقر القصصي في أطر مفاهيم نوستالجية أو التزامية منبثقة عن معارضات ذهنية ووهمية من شاكلة عراق/مهجر أو وطن/منفى أو خارج/داخل ما شابه حتى الأكثر براءة بينها.
ومحيي يخبرنا هو نفسه أن الشائع عن مفهوم المنفى هو أنه تجربة متعارضة مع تجربة المكان أو الوطن الذي ينتمي له الإنسان، لكن ما جرى للعراقيين في العموم هو خروج عن الشائع أو المتعارف عليه في هذا الشأن، اذ وجد العراقي نفسه مرارا، خاصة إبان حقبة التسلط والاستبداد منتميا لمنافيه الروحية والمكانية.. بأكثر من صورة وتعبير، بسبب عنف السلطة وحروبها المتكررة إلى درجة القول إن المنفى بحاجة إلى تعريف مثلما الوطن. اذ يظل السؤال الجوهري لديه «ما هي قيمة الإنسان، ما هو معناه، وكيف يمكن حماية كرامته وتأمين حقوقه؟».
فواقع ووقائع حياة العراقيين في كثير من الأحيان «أكثر خيالاً من الخيال..» كما أن مفردات كربلاء وبغداد وبابل والسماوة والديوانية والبصرة وأرياف الفرات الأوسط، وتالياً بيروت ودمشق وعدن والقاهرة ومسقط وستوكهولم ومالمو وكوبنهاغن، ليست مجرد أسماء أعلام لأمكنة، بل هي «أنوار ومباهج وتواريخ من أعمال الروح والجسد والذاكرة». وهذا الجوهر الاستثنائي تحديدا ما تنهمك في استبطانه، وأحيانا نادرة الكشف عنه، قصص محيي بأدوات فنية قد تكون مستلهمة أو مركبة أو مبتكرة، الا أنَّها تبدو خاصة أيضا. وكل هذا ينتظر من يقدم عليه في محاولة جدية ومنهجية وشاملة.