مربّي العتيق

علي البزاز

تستعملُ السدودُ منظاركِ- كلّ أمنيةٍ، لكي تظلَ واقفةً، تقتربُ الشعوب
منكِ لتبقى حرّة. فمكِ ظرفٌ دائميّ. إنّكِ نوعٌ معينٌ من الهبوب، ونوعٌ من القناطر، فلستِ الرياح كلّها، ولستِ الحلول كلّها.
أحمدكَ أيّها الفارع في النكوص، أيّها الرقيق من السدود، لولاكَ، لكنتُ نجيباً في الهزيمة ومربّياً للعتيق. أحوّر التعب كلّه إلى صداقات، لا أشكو إلّا من ختانها لهزائمي. عرفتُ أخيراً كيف أفتح نافذةً على أعراسٍ، لا يكتفي نهمها من الزينة. معي أزهارٌ لا تقعُ في الصدأ، معي عيونٌ لا تحنث بأبصارها. لا أسمعُ من الألم سوى بلبلٍ وسيم قفصه أراه طليقاً. كفى وقوعٌ في الفداء وفي الصلاةِ للبرد، بينما الأفراح سهلة، شراشفها بيضاء. سوف أنجو من الغصّة، حالما تخلدُ العثرات في عقلي إلى الموائمة، آهٍ ليتني ذلك الانسجام الفذّ ما بين السارق والمراقبة. معي انتظارٌ سأجعل متعته فسيحة.
انتظارٌ، يرقبُ صيفاً ويجني تأييداً، معي الرغبة وهتافاتها من دون هراوات. سأروي العيون التي ترى الجدولَ كحقٍ ساكتٍ وكجفاف في الندى. معي قصائد، والصحة ليست من عنايتها. معي جريان، فلماذا أشيّدُ دهراً ساهراً على الندم؟ معي جفافٌ ذو جاذبية ، تتعدّى بستان . سأكفُّ عن قرابة المصائد والرماح، عن قتالٍ ، تشنّه معابري، عن توثّبٍ جالبٍ للأدوية.

الماضي، قد نشّفتُ وثاقَه.

لا يجاهر الهولنديون بالعداء، وهم في تصرفاتهم الحياتية أقرب إلى القبول منه إلى الرفض العلني المباشر، ولهذا تندر الثورات في تاريخهم. ( بدأت في أمستردام حركة السترات الصفر، ثم هدأت على عكس فرنسا)هذا متأتٍّ من علاقتهم بالطبيعة التي لا تزال تهدّد وتحدد فرص بقائهم. فالغرق يرسم مستقبل هذه العلاقة وهم أقرب إلى مفهوم احتواء الطبيعة الذي يحتّم عدم محاربتها مباشرة.
في استطلاع طريف عمّا يخافه الهولنديون، جاء الغرق أولاً، والإرهاب عاشراً.
الأثر هو الشيء المرئي هندسياً ووظيفياً في تخطيط حقول الزراعة في هولندا، إذ تأخذ حقول الورود مثلاً، أشكالاً هندسية ولونية. ثمّة حقول صفر وأخرى حمر، إضافة إلى ما تتطلّبه عملية حراثة الأرض من تغيير في تضاريسها وإحداث آثار جديدة.
يعطي الأثر صفتي التحوّل والبقاء. بناءُ السدود والقناطر في هولندا، ( لهولندا خبرة ممتازة في بناء السدود وتجفيف المستنقعات، وللهولنديين أثر في كلّ ؛ النهر الهولندي في مدينة الناصرية مدينة الناصرية، ثمّ في قرية المشخاب، في بناء كورنيش أبو ظبي وفي السويد وأغادير، وراهناً في مشاريع عدّة في دولة الإمارات) هو نوعٌ من التحوّل والمقاومة أيضاً، لا القتال المباشر المسلح مع الطبيعة. ليت السياسية في العراق، تستعيرُ آلية بناء السدود والقناطر في أدائها، أي التحوّل بعيداً عن السلاح والحروب . أجل، تكون القناطر مقاومة، ولا تكون قتالاً مسلحاً، ومحال أن تصبح السدود حروباً.
ولكن، يحدّدُ الإنسان مصير الطبيعة، وأساليب التعامل معها، وليس العكس، كما يقول الفيلسوف الألماني سلوتردايك «الطبيعة صمّاء، لا تعي»، ملتقياً مع أوسكار وايلد» الحياة تقلّد الفن».
وعليه، يكتسب المرء السلام ويكون إنجازه الحياتي والابداعي عميقاً، إن هو أشتغل بآلية بناء المعابر والسدود، وهي آلية الإرادة المتشعبة إلى إرادات كما الأفكار العظيمة. كان نيتشه يذمّ الإنسان الارتكاسي، المعبأ بالسلبية، وإنكار الحياة ومتعها، ناعتاً إياه بصفات العبيد.
« ليس من حقّ المريض، أن يلعنَ الحياة». بناء السدود، هو بناء المفاهيم ذاتها، مهما بدت خطيرة ومتجاوزة. ليست الخطورة خطرة، فهي تُعد من أساسات الحياة، تعد مقاومة.

لكِ تشابهات كثيرة مع البيارق في سلوك الثوار،
ومع الاطفال عندما يولدون، ومع الرياح كريمة في هبوبها وفي عنايتها. لكِ اختلافات كثيرة مع الصديق المرافق للنقود، والسماء وكأنها نظام، ومع البحر كمثال لمنْ يقول : أنا التاجر