مرثية أور

جواد جميل

حين يشكل الشعور بالتفوّق عنصراً بنيوياً في ذواتنا نحن البشر ، فمن الطبيعي ان يكتظ تأريخنا منذ بداياته ، بالانتصارات والهزائم ! وليس غريباً ان تجد فينا من يؤرخ لانتصاراته في ملاحم بطولية اسطورية ، فيما ينكفئ الاخر على ذاته في بكائيات ومراثٍ تخلّد موته الشجاع ، وتبحث في رماده عن بقايا جمرة!
بهذه الرؤية بدأت حديثي مع العالمة الاثارية الدكتورة (اليزابيث ستون ) استاذة جامعة نيويورك ، والتي كانت ترأس البعثة التنقيبية المشتركة في محيط مدينة اور الاثرية نهاية عام 2011 ، حيث اطلعتني على الواح طينية مختلفة ، عثرت عليها البعثة مع لقى اثرية اخرى تكشف طبيعة الحياة اليومية في المدينة ..
وكم كانت الدكتورة ستون فرحةً وهي تؤكد لي انها عثرت على ( مرثية لمدينة اور )، مكتوبة على لوح من الطين بالمسمارية ، بعد ان تعمق التنقيب والحفر اكثر فاكثر في الارض، حيث تم العثور على المرثية على مسافة تبعد 650 متراً من مدينة اور الاثرية !
قالت ستون : عندما قرأتُ الاسطر الاولى من اللوح اصبت بالذهول، لما في هذه المرثية من مفردات مليئة بالحزن والخيبة ، مما اصاب (اور) من الخراب في القرن 21 ق.م ، في عهد ملكها ( آبي – سين ) بعد ان كانت عاصمة للعراق ولمعمورات متعددة من الشرق الادنى القديم !
حرصتُ بدوري على ان ارى الالواح الطينية المكتشفة ، وحدقت طويلاً في تلك الخطوط المسمارية المتقاطعة والمتوازية ، فأنا لا اقرأ كتابة هذه القصيدة بل اغوص في خلاياها ! انا لا اقرأ المسمارية ، ولكنني اكاد المس الالم والحزن والحسرات وهي تلوح وراء تلك الخطوط !
وقرأت لي ستون الخط الاول :
بكت – خرائب – اور –
بكت – الآلهة- مع – المدينة-
ولم تدر الاثارية ستون، وقد استمرت في القراءة المقطعة ، ان في داخلي كائنا بدأ في السرّ يبكي بحرقة مع اور !
كثيرة هي مراثي المدن القديمة في بلاد الرافدين التي تعرضت للانتكاسات ، فمرثية تخريب مدينة أور 435 سطراً، 11 مقطعاً.. ولابد من ذكر توأمها مرثية مدينة أور وبلاد سومر وأكد، وتسمى مرثية (ابي-سين ) وتعد المرثية الثانية لأور، وتتكون من 526 سطراً، 5 مقاطع.. و مرثية مدينة الوركاء 400 سطر، 12 مقاطعاً.. ومرثية مدينة أريدو 280 سطراً، 8 مقاطع.. ومرثية مدينة نفر (نيبور) 324 سطراً، 12 مقطعاً. ومرثية تخريب مزار لكش 105 مقاطع.. اضافةً الى عدد من المقاطع الحزينة التي تتحدث عن ( لعنة أكد) .. ومرثية (مردوخ) وتدور حول تدمير مدينة بابل، التي وجدت في اللوح الرابع من أسطورة (ايرا)، والتي نُظِمَتْ في نهاية الألف الثاني ق.م.
ويرى صاموئيل نوح كريمر ان مرثية اور هي نوع من التراجيدية طورها السومريون تخليداً لذكرى المدينة التي غالباً ما كانت تتعرض لهجمات على أيدي الشعوب البربرية المحيطة بهم. أما روز نجارتن فترى ان القصيدة تُعدّ عملاً درامياً يعرض أمام الجمهور في كرنفالات إعادة بناء أور، أو ذكرى دمارها، ولكنها تستغرب تكرار كلمة «عاصفة» في القصيدة، وتتساءل عما إذا استخدمت كمجاز لوصف الهجوم الحربي، أم أن النصّ ينقل ذكرى طوفان مدمر ضرب المدينة ؟! ويبدو انها تعثرت في قراءة النصوص التي تتحدث عن الفؤوس والرماح والسهام والمقاليع والغزاة والجنود ، او انها اوّلتها الى مرادفاتها فضاع عليها معنى النص!
نحن أمام مرثيتين لمدينة اور :
الاولى : ( سميت مرثية ابي- سين) وتحدثت عن تضحية ملكها ( ابي- سين) وصموده وشجاعته والتفاف اهل المدينة حوله ومقاومتهم الغزاة تحت رايته ، ومن ثم تتحدث عن اثار المعركة الشرسة واهوال الحرب ، ثم تنتهي الى وقوع الملك (ابي-سين) في الاسر واخذه عارياً اعزل وسوقه الى نهايته المؤلمة ، ثم تنتقل الى وصف المدينة وما حل بها من السلب والنهب والحرق والقتل والدمار ..

والثانية : ( سميت مرثية اور) ونقلت مشاهد البكائيات بدءاً من بكاء الالهة على مدينتهم الى دخول الغزاة الى المعابد والبيوت وتدمير المدينة واستباحة اهلها قتلاً وتشريداً وتعذيباً، وتأتي المرثية على تفاصيل دقيقة جداً وهي تستذكر ايام عز المدينة وسعادتها ، ثم تتحدث عن وعي اهل المدينة لموقف التضحية واتحادهم على مقاومة الغزاة وطردهم واستعادة مدينتهم ، لكنها تتجاهل كلياً الملك ( ابي-سين) ! وربما في هذا التجاهل اشارة خفية لادانته بالاستسلام وتحميله مسؤولية انهيار دفاعات المدينة !
ويبدو لي ان الشاعر الذي كتب مرثية ( ابي-سين) ربما كان من حاشية الملك والمقربين له او ممن يميلون اليه ، فجعله محور المرثية! اما الشاعر الذي كتب مرثية اور فكان ممن يتهم الملك بالتقصير والاستسلام فتجاهل دوره تماماً ، رغم انه ذكر تفاصيل اقل اهمية من الملك بكثير !!
حصلتُ بعد ذلك على النص الانجليزي الذي نقلته الاثارية الامريكية الدكتورة اليزابيث ستون ، وقارنته مع ما توفر لدي من مقاطع المرثية باللغة العربية والتي تم العثور عليها من قبل ، ثم حاولت ان لا ابتعد كثيراً عن النص الانجليزي الذي اتوقع انه كان ترجمة حرفية عن المسمارية ، ويحمل اجواء المرثية وانطباعاتها الاولى ..
واستطيع ان اقول : اني تصرفت في المترادفات واختيار اللفظ طبقاً لاجواء البيت والمقطع ، وطبيعة تجانس العلاقات اللفظية، مبتعداً عن السردية والتقريرية المجردة ، مستقيداً من النصوص بترجماتها المتعددة ، والتي اشعر احياناً ان النص فيها مبتعدٌ كثيراً عن النص الذي اكتشفته الدكتورة ستون، او ربما لا وجود له اصلاً ، الامر الذي اتوقع من خلاله ، اما ان يكون نقصاً وخللاً في فهم الكتابة المسمارية او في نقلها الى العربية ، او انه اختلاف الروايات السومرية في الالواح المكتشفة ، شأنها شأن اختلاف روايات القصائد الجاهلية (المعلقات) وعدد ابياتها واختلاف بعضها عن بعض !

بكت خرائب “أور”
وبكت معها آلهتها،
( ننار ) إله ( اور) الرحيم الذي هدمت بلاده،
ينوح مع الآلهة الثكلىٰ،
رثاؤك .. كم هو مرٌ أليم أيتها المدينة!
مدينة “أور” المُهدمة.. رثاؤها مرٌ أليم..

سيظل انينك يُحزن إلهك الباكي،
إلهك الذي دُمرت معابده صار يشارككِ النواح..
( ننكال ) بكت معه حزناً على مدينته المضيئة،
حتى ان الآلهة هجرت المدينةَ وهي تبكي،
فاظلمّ النهارُ ، ولم تعدْ ثمة حدود !
أجهز العدو على المدينة كالطوفان،
واكتسحت الاعاصيرُ كلّ شيء ،
دمرت الأسواق والبيوت والحدائق،
ومحت حظائر الحيوانات ..
لم تعد الثيران تسرح،
ولا اغنام سومر تمرح في مراعيها،
ومياه الأنهار غدت آسنة ..
الحقول العامرة لا تنبت الاالدغل،
والسهول المترامية لا تثمر الا الذبول..
الأمُّ غدت لا تحضن أطفالها،
ولم تعد تناغيهم بالحانها الجميلة!
والزوج لم يعد يتغزّل بزوجته،
ولم تعد هي تفرح بعودته!
لقد تغيّر عرش الملوكية،
وجاء حاكم كريه من أرض العدو،
استباح المعابد وأهان الآلهة!!
أحذية الغزاة دَنست حرم ( أي كًشنو كًال )المقدس..
أبناء ( اور ) ليسو في منازلهم،
لقد أصبحوا غرباء في مدينتهم،
وموانيء دجلة والفرات اقحلت،
وليس هناك من يجوب الازقة والدروب..
المدن والقرى العامرة آلت إلى خراب،
وأبناؤها قتلىٰ قد هشمتهم الهراوات..
لا الحقول تحرث ، ولا التربة تُبذر،
ولم تعد الاغنياتُ ترنّ في البراري..
حظائر سومر لا تهب الجبن والسمن،
فقد تشتّت القطعان في السهوب،
ومات كلّ ما هو حي!
القصب الذابل تعفن في الماء،
والنخيل يبس ومات!

على الأرض حلّت اللعنة التي لم يتوقعها احد،
وعلى المدن الخائفة حطت يدٌ القسوة،
فاختنق الناس بأنفاسهم،
بعد أن أغلقت عيونهم الدموع،
وشقّت حناجرهم الآهات!
العاصفةُ شتتهم ، ومسخت نهارهم ليلاً..
في ذلك اليوم غرقت الأفواه والايدي بالدم،
يوم انهارت المدينة على رؤوس أهلها الآمنين،
يوم تمزقت السماء وتشققت الأرض،
يوم أعمت العاصفة الناس، وغدت السماء سوداء،
فبهت ضوء الشمس ،
وانحدرت المدينة الى العالم السفلي!!
من كانت له بساتين وحقول غادرها :
آه على بساتيني و حقولي !
من كان له بيت جميل هجره:
آه على بيتي الجميل!
لقد دهم الجنود المدينة وابادوا كل شيء،
وكعاصفة هوجاء طافوا على الأرض ،
فمن يستطيع الهرب؟!
سقطت الحصون كلها ، وانهارت اعمدة المعابد!
وحتى القيم السومرية اصبحت مهملة..
فغدا الكاذب اعلى شأناً من الصادق،
وأصبح الكلام بلا معنى!
كلمة ( أنليل )التي تكتب من اليسار نحو اليمين،
غدت تتجه نحو اليسار!!
في أور لم يهتم احد بالطعام ،
ولم يهتم أحد بالمياه،
من كان يتولى شأن الماء أهمله،
ومن كان يتولى شأن الطعام تركه..
أصبح العيلاميون لهم اليد الطولىٰ،
اولئك الذين تلطخت أظافرهم بالدماء..
حين قبض جنودهم الجبليون ارواح أهل سومر!
( أور )غدت مثل ثور بري مغرور ،
خر ذليلاً راكعاً على ركبتيه !
( أور ) لا حول لها ولا قوة ،
انها مثل قصبة وحيدة سجدت ذلّاً للعاصفة !
أبناؤها مثل سمكات أخرجت من الماء فماتت!
والأزقة مكتضة بجثث القتلى،
حيث الفقراء والأغنياء مرميّون في الطرقات،
لا أحد منهم يقوى على النهوض،
وقد تعالى أنين الجرحى وعويلهم،
وليس هناك من يسمعهم !..

كثير من الناس قضوا في بيوتهم المحترقة،
ومياه النهر جرفت معها الأطفال والرّضع!
وحتى الأقوياء ماتوا كالضعفاء من الجوع،
و في خزائن ( أينانا )لم يبق شيء ،
فالنيران اتت على حُجَر الحبوب!
لقد أُلغيت طقوس تقدمة القرابين والنذور للآلهة،
ولم يبق في خزانة المعبد الكبير ،
لا خمر ولا عسل !
مرسى ( اينانا) الواسع انحسر عنه الماء،
والزوارق لم تعد تأت إلى المدينة..
وفي النهر الذي كان يضج بالملاحين، لم تعد ثمة مراكب!
(أور )مدينة هشمتها الفؤوس فعادت مدينة الخراب ..
(أور ) حتى كلابها لم تعد تتفيّأ ظلال الجدران !
عند أسوارها يتعالى العويل ،
وفي ازقتها يتوارى الناس خوفاً من القتل!
(أور) تنشر الفؤوس فيها الدمار والرعب ،
وتثقب الرماح صدور النساء والشيوخ،
والهراوات والمقاليع تطارد الجميع في كل مكان،
والنبال تنهال على الأجساد العارية كالمطر!
قليلون هم من نجوا من الموت..
ورغم ذاك كانوا يهمسون :
ويل لنا .. ماذا بوسعنا أن نقول ؟
ماذا بوسعنا أن نفعل؟!
حتى متى نظل مرثيةً في فم الفناء ؟!
في داخل مدينتنا موت ،
وفي خارجها موت!
في داخلها نموت من الجوع،
وفي خارجها نموت بفؤوس العيلاميين!
هاهو العدو يحتل (أور ) ، فلنقف بوجه الموت اذن !!
هكذا غدوا يصرخون بصوت واحد:
لنواجه الموت.. لنصمد بوجه الموت!!
لنواجه الموت .. لنصمد بوجه الموت!!
(ايضاحات)
_ الإله (ننار) أو (نانا) إله القمر، وهو كبير الهة اور وحارس المدينة ..وهو الإله (سين) في الأكدية.
_ الإلهة (ننكًال) زوجة الإله (ننار).
_ (أي كشنو كال) اسم المعبد المكرّس لعبادة الإله (ننار) وهو زقورة اور وما حولها من الهياكل .
_ الإله (أنليل) اقوى آلآلهة، وهو إله الفضاء والهواء.
_ الإلهة (أينانا) إلهة الحب والجمال والحرب السومرية، وهي (عشتار) في الأكدية.