معارض الكتب أو مُربّعات النزْعِ الأخير

شوقي عبد الامير

تتواصل ظاهرة معارض الكُتب عبر العواصم العربيّة لكل عاصمة أسبوع أو أسبوعان في العام لعرض النتاج الأدبي والفكري والعلمي والديني وكل أصناف المعرفة التي تحملها الكتب إلى القّراء أو ماتبقى منهم ..
هذه المعارض تشكل منذ سنوات الصيغة الأخيرة الممكنة لايصال الكتب ذلك لأن المكتبات اختفت من الأسواق وكشكات بيع المجلات والصحف والكتب المعروفة هي الأخرى تلاشت إلا القليل القليل منها في بعض العواصم والمدن الكبرى عبر خارطة العالم العربي وهو الأمر الذي أدّى إلى افتقار الشارع العربي إلى مصادر المعرفة والاطلاع والثقافة بشكل عام .
الأسبوع الماضي كان موعد معرض القاهرة الدولي للكتاب وبعده بأسبوع سيحُلُّ موعد معرض بغداد وقبل ذلك بشهر كان موعد معرض بيروت وهكذا تتوزع المدن والعواصم العربيّة هذه الأسواق الجماعيّة لبيع الكتب بحيث أصبحت ساحات «النزع الأخيرة» لحياة الكتاب في أوطان يتجاوز سكانها الــــ 400 مليون نسمة، هم أبناء وورثة حضارة عظيمة ملأت الآفاق وعلّمت البشرية الكثير قبل بضعة قرون ..
هذه الظاهرة لم تحدث فجأةً إنما تعاقبت على الحياة الثقافية في العالم العربي أحداث وسياسات وحروب وجبهات كلها أبعدت الناس عن التعاطي مع هذه الينابيع العظيمة للفكر والإبداع وهو ما أشاع حالة «التصحَّر» الثقافي التي أتت على هذه المجتمعات بكل أشكال الكوارث .
إنني أتساءل كيف يحدث لهذه المجتمعات العربيّة الغنيّة في معظمها والتي تحوّلت إلى مجتمعات استهلاك من الطراز الأول ، أن تستهلك كل أنواع البضائع والمواد الاّ الكتاب .. كيف حدث أن السوق العربيّة تعجّ بالمولات من كل أنواع وتتبارى فيما بينها أيّها يشيّد أكبر مول استهلاكي وتتجاهل كلها في الوقت نفسه المكتبات وكشكات الشوارع التي تعرض المجلات والصحف وبعض الكتب السريعة كما هو معروف في أغلب مدن العالم .؟
إذا كان الأمر هومجرد تقليد للحضارة الغربيّة فلنقلّدها أيضاً في الاهتمام بأماكن عرض وبيع الكتب والصحف. يكفي أن نتجول في شارع في عاصمة أوربيّة لنرى عدد الكشكات الخاصة بالمجلات والصحف وهي في الوقت الذي توفرّ للمارّة حاجتهم من المطبوعات تزيدُ الشوارع والساحات جمالاً …
إن اقتصار بيع الكتب على المعارض واختفاء المكتبات وشركات التوزيع والاعلان عن المطبوعات في حياة الناس في المجتمعات العربيّة سيؤدي إلى كارثة ثقافية ينتج عنها ما لانتصوّرُه من المخاطر والآفات والحروب والمجابهات بين أبناء البلد الواحد وحتى الحارة الواحدة .
إن انتشار ظواهر التطرف الديني والعنف والإلغاء للآخر قد ولدت كلها من حالة الفقر الثقافي وتصاعد الجهل واستغلاله من طرف أعداء هذه الأمة الذين يتربّصون بها ويحاولون ــــ للأسف بنجاح ــــ النيل من كرامتها وحضورها .
إن استمرار المعارض أمرٌ جيد ــ لكي لا أُفهمُ بشكل خاطئ ــــ ويجب تشجيعُهُ لكنه لايكفي اطلاقاً ولا يسدّ حاجة هذه الشعوب إلى المعرفة والعلوم والتطور لهذا أدعو وكما كرّرت ذلك في أكثر من افتتاحية إلى التنبّه إلى هذه الظاهرة والعمل على تشجيع توزيع الكتب بين جميع الدول العربيّة وإشاعة مراكز البحوث والطباعة والنشر وعدم الاقتصار على هذه الأيام القليلة كل عام والتي لاتشبع من جوع حيث يظل الكتاب في هامش سحيق خارج الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية طيلة العام ينتظر هذه الأيام في السنة ..
لاتجعلوا من معارض الكتب حّلاً لأزمة نشر المعرفة لأنكم بذلك لن تستطيعوا الردّ على الحاجة العميقة للشعوب حتى يتراجع دورها وحضورها بين شعوب العالم ..
يجب أن نعمل كل ما بوسعنا حكومات ومؤسسات أهلية وأفراداً على الّا تتحول معارض الكتب إلى «مربعات النزع الأخير» لحياة الكتاب العربي