معلّمي… وأنا

عواد ناصر

معلمي في الصف الرابع الابتدائي، مدرسة ابن الأثير الابتدائية للبنين، أتذكر اسمه الأول، حسب: استاد (بالدال لا بالذال) عبدالرزاق.
طلب منا أن نكتب موضوعاً إنشائياً عنوانه «العيد» أسوة بالموضوعات التقليدية، المكررة، التي يطلبها معلمو اللغة العربية في مدارس بغداد الابتدائية: وصف المطر، رحلة مدرسية…إلخ.
في اليوم التالي، حيث درس الإنشاء، دخل «استاد» عبدالرزاق منادياً باسمي قبل أن يبدأ الدرس، فخفت وتشبثت بمقعدي الخشبي، من دون أن أرتكب ذنباً منذ أمس.
تحاملت على خوفي ووقفت: نعم «استاد».
قال مستنكراً: من كتب لك الدرس حول «العيد»؟
هكذا هي التهمة الجاهزة، مثل ما حدث لي، وللآلاف غيري، فيما بعد، كباراً، عندما يتعلق الأمر بالسياسة.
نفيت، طبعاً، أن ثمة من كتب نيابة عني أو ساعدني، فأنا آخر عنقود أمي وأبي.
سألني «الاستاد»: أنت بدأت إنشاءك بـ «راقبت مستهل الهلال، ليلة العيد، مع أهلي وجيراني….إلخ. من أين لك هذه الـ «مستهل»؟
تلعثمت واضطربت وخفت، ثانية، لأنني لا أعرف، حقاً، كيف وافتني هذه الـ «مستهل» الخطيرة التي سولت لي نفسي باقترافها، كما سأسمع، كثيراً، في بيانات الإنقلابات العسكرية.
حتى أنني لم أكن أعرف إعرابها كظرف مكان.
سكتُّ وحملقت بالسقف وتلفت حولي فلم أجد «سوى السيفِ والرمحِ الردينيّ باكيا».
عقب «الاستاد» عبد الرزاق»: أما إنك عبقري أو محتال كبير!
أوشكت أن أقول: بل محتال كبير. لأني لست عبقرياً.
لكنني قلت: لا أدري! هكذا عبرت خاطري فكتبتها.
ثم أقسمت: وروح أبوي.
ضحك «الاستاد» فأدركت أنه صدقني. ومنحني الدرجة الكاملة.
تمضي السنوات، لأتعرف على «أستاذ» حقيقي، هذه المرة هو الناقد الراحل، الاستاذ (بالذال هذه المرة لا بالدال) د. عبدالإله أحمد الذي درسني العربية في الثانوية الجعفرية المسائية، محاضراً.
طبعاً، كبرت وصرت أعرف بعض أسماء الأدباء والشعراء والنقاد العراقيين من خلال المجلات العراقية التي كانت تقع بين يدي،على ضيق ذات يدي، وكان الأستاذ عبد الإله من بينهم.
طلب منا الأستاذ أحمد أن نكتب «إنشاءً» عن «السعادة».
ولا أنسى تمهيده وهو يحذرنا: لا تكتب ما هو مكرر، بل أريد وجهة نظرك الشخصية.
أعجبتني هذه الـ «وجهة نظرك الشخصية» لأتيقن أنني أمام أستاذ (بالذال لا بالدال). وقلت في نفسي: هذا هو المعلم!
دخل الاستاذ عبدالإله الصف، في اليوم التالي، ليوجه سؤاله: من هو فلان؟ وكان اسمي.
ها هو التاريخ يعيد نفسه على شكل مأساة مرة أخرى.
خفت وارتعشت ركبتاي وتحاملت واقفاً.
علق الأستاذ عبدالإله: هذا ما انتظرته منكم كوجهة نظر شخصية. لاحظوا ما كتبه هذا الطالب: «السعادة أمر نسبي.. لا تعريف مطلقاً للسعادة…إلخ».
بعدها كان الاستاذ عبدالإله يفضّل صحبتي في فرص الدرس على أن يذهب إلى غرفة المدرسين. ومنه تعلمت أشياء أخرى حول الإبداع منها: البيئة الملائمة لصناعة المبدع التي تبدأ من البيت ولا تنتهي عند الدولة.
ولكن أين ستنتهي، يا معلمي؟
هي بلا نهاية، قال، سترافقك حتى الموت. البحث والتعلم والمكابدة.
لكن بيت القصيد هو «البيئة الملائمة»، بنيةً تحتية لكل مستقبل إبداعي. كل ما سبق هو مقدمة طويلة، نسبياً، لمتن قصير:
يكاد يجمع علماء التربية الغربيون على أن الإبداع مكتسب يحتاج، فقط الرعاية وتطوير ملكات الشبان والأخذ بإيديهم في مسالك البحث والتجربة.
في مجتمعنا العراقي للإحباط مستويات عدة، وليس من مستوى واحد للانطلاقة الإبداعية، أو ما أطلق عليه أولئك العلماء «فن التفكير».
المحبطات كثيرة وقاسية للأسف، إلا ما تبقى من جمرة متوهجة يقبض عليها بعضنا رغم الحريق الذي في الأصابع والعقول والأرواح التواقة للتغيير والإبداع.