من أجلِ أمنٍ ثقافيّ عربيّ

شوقي عبد الامير

في عصر النزاعات والحروب «المستدامة» هذا صارت مفردة الأمن حاجةً يتصاعدُ الطلبُ عليها والاحساسُ بفقدانها في مختلف ميادين الحياة وقد كانت بالامس ـــ ليس البعيد ــــ تعني الأمن الشخصي والحياتي فقط..
يمكن تحديد الفترة التاريخيّة لهذا النمو الاميبيّ لفكرة الأمن بعد سقوط المعسكر الاشتراكي في أواخر القرن المنصَرم ونهايةِ الحرب الباردة حيث كانت تُهيمنُ/تحمي العالم مظّلةُ توازن الرعب.
بعد خروج العالم من هذه المظّلة تكاثرت النزاعات والحروب بأشكالها كافة وخاصة الحرب بالوساطة والاهليّة منها في مناطق العالم التي كانت تعرف بالدول النامية أو العالم الثالث وهي مايسمى اليوم بـــ «دول الجنوب» في المعادلة الاستراتيجيّة الجديدة جنوب / شمال التي حلّتْ محلّ شرق/ غرب، إلاّ أننا دخلنا منذ عام 2011 في منطقة نزاعات وحروب وصدامات تكاد تكون يوميّة توزعت على الخارطة العربيّة من تونس الى اليمن مروراً بسوريا وليبيا والعراق وهي مرحلة مايُعرف بــ «الربيع العربي» الذي مازالت إرتداداتهُ تتواصل وتتفاوتُ قُوّة بين بلد وآخر.
أنتجتْ هذه الحالة الجديدة فُقداناً ملحوظاً للأمن الجسدي وأصبحت حياة الناس مهّددة في بيوتهم وأماكن عملهم ومرافق حياتهم اليومية كلّها ..
ان فقدانَ الأمن هذا أمرٌ بديهي في الحروب والنزاعات المسلحة التي انتقلت من الجبهات العسكرية الى مرافق الحياة المدنية كلّها لكن الأمر تطوّر حتى شملت فكرة «الأمن» مدىً أوسع لاعلاقة لهُ بالسلاح ولا بالجبهات العسكرية فعرفنا «الأمنَ الغذائي» و«الأمنَ المائي» و«الأمنَ البيئيّ» …الخ .
هذا التحول ليس اصطلاحاً وحسب بل أن مفردة الأمن صارت تحمل دلالاتٍ خطيرةً كالماء والبيئة والغذاء التي هي الاخرى تحولّت الى أسلحة فتّاكة كما هو الحال في الجبهات العسكرية، وصار الناسُ لا يسعون لأمنهم من القنابل والرصاص والمفخخات وحسب بل من تلوث ونقص الماء والبيئة والغذاء …

إننا اليوم بصدد تطور آخر لم يلحظهُ الدارسون من قبل وهو ما أسمّيه بـــ «الأمن الثقافي» ذلك لأن الثقافة قد تحولت بدورها الى جبهة عسكريّة لها آثارها المدمرةّ وصار من الضروري حماية الشعوب من فقدانها أو من تلوثها تماماً مثل البيئة والماء والغذاء خاصة وان أعداء الشعوب استهدفوا الثقافة كأداة للدمار وتخريب العقول ،وهو ما أنتجَ جبهاتٍ ومعاركَ لم تكن في الحسبان بين أبناء البلد الواحد و ما حوّل البشر الى قنابل متحركة أَدْمتْ حياتَنا اليومية وقَضَتْ على الآلاف من الابرياء.
لهذا ولأجل مواجهة هذه الآفة التي تهدد أمن واستقرار الشعوب العربية والعالم أجمع لابد من حملة توعية ومواجهة فعلية ويومّية لسياسة تخريب العقول وغسلها وتحويلها الى أدوات دمار وقتل .
إن أمننَا لايستقيم الا ّبرعاية الثقافة الحقيقية وبعُدها الانساني وشموليتها خارج العصبيات العرقيّة والدينيّة انطلاقاً من مقولة الإمام علي (ع) «الناسُ صنفان، إمّا أخ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق» .
لأجل هذا سيكون لزاماً علينا التنبّهُ الى إشاعة المعرفة وحمايتِها وايجاد البُنى التحتية الخاصة بايصالها الى الناس وتوفيرها عبر حرية الرأي ونشر المكتبات ومؤسسات الرعاية والتوزيع وإيصال الكتب والمطبوعات الى كل المدن والقرى والثغور البعيدة، لأن الفقر الثقافي هو الآفةُ الأمُّ والبوابة الاكبر لانتشار التطرف والعنف .
لن ننسى التربية فهي الأساس في بناء الاجيال وإضاءة عقولهم بالقيم الإنسانية والمعرفية الحقّة وحمايتهم من الوقوع في فخ الانغلاق والتعصب والخرافة ، كما تجدرُفي المراحل الدراسية المتقدمة إعادةُ الاعتبار الى دراسة الفلسفة والفكر التي من شأنها تحصين عقول الاجيال وهو ما تفتقدُهُ اليوم مناهجُنا الدراسية في أغلب الدول العربية .
لأجل أمننا الثقافي. سيتوجب على كل المثقفين والجهات المسؤولة في الدولة والاحزاب والتيارات السياسية حماية الناس من السقوط في ظلمات الجهل والتجهيل الشائعة في هذه الايام .