مهرجان المربد غاية التأسيس وصراع الشعر مع النقد الأدبي الموجه

د. حسين القاصد

اقيم مهرجان المربد الشعري الأول عام 1971، وهي خطوة لتأصيل التراث القومي، حيث المربد الشعري القديم، وان احياءه يعني احياء الأمة التي تتعرض للمؤامرات التي تؤسس لوجودها وترسيخها السلطة كي يبقى الشعب مستنفرا باتجاه الخطر الذي يهدد البلاد .
وفي افتتاح المهرجان تأتي كلمة رئيس الجمهورية، التي القاها نيابة عنه وزير الإعلام شفيق الكمالي؛ وجاءت الكلمة متوافقة مع ماهو متوقع أن يقال؛ فالحكومة التي لم تتجاوز أعوامها الثلاثة تقول للأدباء العرب والعراقيين: ( أننا نعيش عصرا تكالبت فيه قوى الشر والطغيان … ان قضية الإنسان واحدة والمعركة واحدة وان تعددت الساحات )؛ والكلام موجه للأدباء والذي يلقيه على مسامع الأدباء شاعر ووزير إعلام، لكنه لم يجرؤ أن يسأل سيده: أن كيف تكون قضية الإنسان واحدة ومعركته واحدة؟ مع من سيتعارك، وضد من؟

ثم تؤكد كلمة وزير الإعلام بأن الوزارة قامت (خلال عام 1970 بنشر 177 كتابا في التراث والإعلام والقصة والتراجم والشعر والفن ).
وقد أسهم في انجاح الجلسة الأولى كل من: محمد مهدي الجواهري، وأحمد عبد المعطي حجازي، وسليمان العيسى من سورية، وفؤاد رفقة من سورية، وحسب الشيخ جعفر، وصلاح أحمد ابراهيم من السودان، وصالح الجعفري، ومحمد سعيد الصكار، ويوسف الخطيب من فلسطين. وقد قدم الجلسة محمد مبارك.
ان اسماءً كبيرة كهذه، لاشك أنها تجعل المهرجان مميزا وكبيرا، وان مهرجانا مميزا وكبيرا بهؤلاء، لاشك انه سيجلب الثناء للدولة الراعية له، وللحكومة على وجه الخصوص، حيث تحقق انتشارها وشعبيتها عربيا فتجند الإعلام العربي لخدمتها . اما بقية الجلسات فهي مكتظة بأشهر اسماء المشهد الشعري في العراق والبلدان العربية .
بعد نجاح المهرجان بشهادة المعنيين، وبعد أن كانت من بين التوصيات ان يكون المهرجان سنويا، عقد مهرجان المربد الثاني عام 1972، لكنه هذه المرة جاء مكتّفا بشعار ( الشعر والثورة )
وكان من كلمة رئيس الجمهورية التشديد على الاهتمام بالتراث، وان تهتم القصائد بقضايا الشعب المثيرية والأمة العربية وهي تحارب ضد عدو شرس. ومع كل هذا الهوس الانتقائي بالتراث، لأنهم لايريدون التراث كله، انما يريدون مايخدم بقاءهم في السلطة، يردُّ الدكتور علي الوردي بشجاعة فيقول : (إن الماضي عزيز علينا لكن المستقبل أعز منه )؛ وعلى الرغم من ان اسماء كبيرة اسهمت في انجاح المهرجان ومن بينها، نزار قباني، ومحمود درويش، ولميعة عباس عمارة وصالح الجعفري، وسليمان العيسى وحسب الشيخ جعفر، ومحمد جميل شلش؛ على الرغم من وجود هذه الاسماء إلا أن وقوع الشعراء في فخ الوصايا السياسية التي تلقى في افتتاح المهرجانات جعلهم يدفعون الثمن غاليا من « فنية « قصائدهم .
يقول الدكتور عبد القادر القط، في ورقته النقدية التي لم تكتف بشعراء المهرجان الثاني بل امتدت آراؤه لتشمل المهرجان الأول ( حين جلست استمع بالأمس الى شعرائنا المرموقين واحدا بعد آخر، احسست أني لا أشهد مهرجانا شعريا، بل مناحة تقليدية من تلك المناحات التي أصبح يطيب لنا ان نقيمها من حين الى حين لنلطم الخدود ونشق الجيوب ونمارس عقدة «تعذيب الذات» التي يبدو أننا اصبنا بها جميعا. ولقد راجعت ما أنشد في مهرجان المربد في العام الماضي فوجدته يدور في الحلقة المفرغة نفسها، وقرأت ما أنشد شعراؤنا من قصائد في مهرجان الشعر في دمشق والاحتفال بذكرى أبي تمام بالموصل فإذا بها لاتكاد تخرج عن ذلك الفلك . هزيمة حزيران، مأساة الأرض المحتلة، جيل الضياع، الأمل في المستقبل او اليأس منه ).
وبين ما يدعو له أصحاب الشعر الحديث وما يتمسك به أصحاب القصيدة العمودية، نجد النقد يدخل صراعا هو الآخر، ومن النقاد من يتمسك بالمنبرية والاعتماد على السماع، إذ يقول «شريف الراس» : ( الشعر فن سمعي والرسم فن بصري . فإذا أردتم أن تقطعوا حبالنا الصوتية حتى نتمكن من استساغة أشعاركم، إذن فارسموا لوحات واتركوا الشعر لمن يعرف كيف يقول الشعر)، وهي دعوة واضحة للخطابية والمباشرة، والابتعاد عن الصورة الفنية الحديثة التي تدعو للتأمل، فالشعر حين يكون بصريا لا يسمى شعرا عند شريف الراس لأن الفنية والتخييل تمنع الشعر من واجبه التوثيقي الذي تريده السلطة.) .
والشعر العمودي والشعر الحر «التفعيلة» لم ينج من التدخل السياسي، فمصلحة السلطة مع الوضوح والخطابية، مهما كان شكل القصيدة، لذلك يأخذ الصراع شكلا مبطنا، فحين تكون القصيدة غامضة تسلط عليها سياط النقد (أيدلوجيا) وحين تكون واضحة يقبلها النقاد على الرغم من انتمائها للشعر الحر، وبين الصراع الفني الفني والصراع الفني الأيدلوجي، كان الشعر هو الضحية .
لا ضير ولا إشكال في تبني جهة نقدية قضية الحداثة الشعرية، ورفض الشكل القديم، لكن المعضلة حين تكون هناك انساق مضمرة خلف الرأي النقدي، فحين يعطي الدكتور محمد النويهي لقصيدة الجواهري ( أيها الأرق ) درجة خمسة تحت الصفر، لا لشيء إلا لكون قصيدته عمودية (من يومها صار الجواهري يخاطبه بالبويهي ردّا على نقده لشعره* واستثنى أحمد عبد المعطي ابن جلدته فهذا هو التعسف النقدي بعينه .
ولكن هل كانت الخطابية صفة ملازمة وخاصة بالشعر العمودي؟ أليس من بين الشعراء الرواد من كانت قصائده مباشرة وخطابية ومنبرية؟ ألم يقم السياب بتهنئة الانقلابيين في 8 شباط بقصيدة عمودية، بعد أن كان قد قطع شوطا في مشروعه الجديد؟ ألم ينزل للتظاهرات بقصائد عمودية؟ والأمر نفسه ينسحب على زميلته نازك الملائكة، ألم تمدح عبد السلام وعبد الناصر بقصائد عمودية، فإذا اعترض معترض وقال: لكنها نوّعت في القوافي وتنقلت من قافية لأخرى، فجوابنا: أن قد سبقها الى ذلك الزهاوي والرصافي؛ كما أن الجواهوي في ( أيها الأرق ) لم يختلف عن نازك، وقد نوّع بالقوافي . أما الغموض فأين نجده في قصائد البياتي الخطابية التي كانت أغلبها مباشرة جدا.
إن القضية ليست قضية شكل شعري ولا حساسية من لون على حساب آخر، إنما هي عوامل كثيرة، أهمها تسيّد الأدب الثوري وتغذيته وتعزيزه على يد زعامتين عربيتين، بدأ الأمر في أيام عبد الناصر واستغله الحزب الحاكم في العراق بعد أن خدع الآخرين باشتراكيته، فاستقطب الشعراء الشيوعيين الذين هم أكثر التزاما بالأدب الثوري، فصار الأدب الثوري هو أدب السلطة التي تنادي بالوضوح ومخاطبة الجماهير، وهو الأمر الذي انخرط فيه حتى أصحاب البيان الستيني في العراق، فكانت قصائدهم أكثر خطابية من الكلاسيكية القديمة ـ لاسيما في المناسبات، وهي محنة الشعر الموجه .
وهو الأمر الذي دفع ببنلد الحيدري لينعى الشعر قائلا: ( وإذا كان لي أن أتمنى شيئا، فهو أن يخرج إلينا في المربد القادم الخليل بن أحمد بعصا حجاجية ليؤدب بها شعراء لا يرون عظمتهم إلا في اهانة التراث والأدب وليهدد بها نقادا قصروا في واجباتهم … وليضرب بها من تسول له نفسه أن يعبث بالقيم أو يسيء الى المقاييس فيرفع رديئا وينال من جيد لهوى في النفس …) ويقول أيضا: ( إذا كان لي أن اقترح تقليد الأوسمة نهجا نعتمده في كل مهرجان، لاقترحت أن يمنح في هذا البرنامج وسام واحد فقط، نخص به جمهور القاعة على ما أبدى من جلد وصبر عجيبين على تحمل الكثير مما سميناه شعرا) .