نحو الأمية

حسين القاصد 

لقد مرت على العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة، مراحل تعليمية، بين ماهو مشرق، وبين ما سار بالمجتمع العراقي ( نحو الأمية)؛ فلقد كانت وزارة المعارف تجمع بين التربية والتعليم العالي، وشهد العراق في ظل هذه الوزارة ازدهارا علميا واضحا، فعلى صعيد البعثات العلمية ارسلت الوزارة العديد من الطلبة المميزين، وإن هو الا وقت قصير حتى عادوا ليستلموا زمام الأمور ويديروا دفة العلم في البلاد .

لم يكن لتعاقب وزراء المعارف أي اثر سلبي على سير التربية والتعليم في العراق، بل كانت تسير بوتيرة متصاعدة باتجاه الارتقاء بالمجتمع وانتشاله من الأمية التي عانى منها عشرات السنين تحت وطأة الاحتلال العثماني الغبي، الذي أسهم ايما اسهام في نشر الأمية لكي يهيمن على البلاد بواسطة حفنة خطباء يوظفهم ليتسلط على المجتمع، وحين جاء الاحتلال الانكليزي ورث الطريقة نفسها وأخذ يشيع الجهل لكي يستعمل جهال القوم ويتسيد البلاد بواسطتهم ويبقيهم عصا وأداةً بيديه لكي تطول فترة هيمنته على مقدرات البلاد؛ وهو ما يرويه الدكتور علي الوردي بقوله:(حدثني صديق، وكان من أولئك العراقيين البؤساء الذين كانوا يساقون في العهد العثماني الى مجازر الحرب كالأغنام، فقال: انه جيء به وبمن معه من المجندين جبرا إبّان الحرب العالمية الأولى الى ساحة (القشلة ) في بغداد. فخرج عليهم المفتي وبدأ يخطب فيهم خطابا حماسيا. وكان مما قاله لهم ذلك الرجل الديني الكبير، انه اخذ يذكرهم بواجبهم في الدفاع عن الدين والدولة وبضرورة التضحية بالنفس والنفيس في سبيل القرآن … ثم اغرورقت عينا الخطيب بالدموع من شدة الحماس والتأثر)؛ ومما لاشك فيه أن المفتي ليس همه الدين والقرآن بقدر ما هو يهمه إرضاء أسياده العثمانيين، وإلا فمن هي الدولة التي يدافع عنها الجنود وضد من؟، ويضيف د.علي الوردي (لا ريب أن ما قاله الخطيب حق، ولكنه حق خاص بفئة قليلة – هي فئة المستفيدين من الدين والدولة – أما سواد الشعب الذي كان يرزح تحت عبء ذلك الحكم اللئيم ويقاسي من ظلمه وتفسخه ما يقاسي، فلم يكن يفهم من ذلك الخطاب الرنان شيئا)، وقد نختلف مع الدكتور الوردي اختلافا بسيطا وهو أن سواد الشعب يعد خطبة المفتي أشبه بالأمر العسكري الذي سيتعرض المتخلف عنه للكثير لما يترتب عليه التخلف عن الدفاع عن الدولة والدين والقرآن !!. لكن بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد ثورة العشرين بدأ التعليم يزدهر في العراق وأخذت الشهادة العلمية العراقية ينظر لها بمهابة كبيرة، قبل أن يجثم على صدور العراقيين مهندسو الخراب والظلام بعد انقلاب 8 شباط 1963 ، حيث صار التعليم أداة لتطويع العقل العراقي لخدمة السلطة لا لخدمة البلاد .
ومع احتفاظ العراق بقامات علمية كبيرة اسهمت بتوفير جزء من المناعة ضد عملية التجهيل المبرمجة، إلا أن الحروب العبثية والعشوائية وهيمنة من هو مشابه للخطيب العثماني، جعلت التعليم أمرا ثانويا اذا ما قيس بالدفاع عن البلاد /السلطة
مع ذلك كله، احتفظ العراق ببعض من قيمته العلمية العليا التي هي من ثمار نبات الأمس المثمر، وظل ابناء تلك المرحلة يدفعون عن المجتمع الخطر ما استطاعوا الى ذاك سبيلا .
لكن، بعد انهيار النظام الساقط، وبعد مرحلة تجويع وتجهيل ممنهجة، وهي مرحلة الحصار، حيث اضطر المعلم الى ان يشتغل بائع سجائر او عامل ( مسطر)، وذابت هيبته وانصهرت حين يكون مع احد طلابه في مكان عمل واحد، ورتبة واحدة، يحكمهم العوز والحاجة الماسة للقوت اليومي. بعد هذا السير الممنهج نحو الأمية وجدنا انفسنا في مطب خطير؛ حيث انتشر البناء والسكن العشوائي في كل انحاء العراق، ولا سيما في بغداد، فاذا تأصلت عشوائية السكن وتم غض النظر عنها لدوافع سياسية وانتخابية لكي يبقى سكان العشوائيات أصواتا موسمية لكل انتخابات، أقول: اذا تأصلت ورسخت هذه العشوائية فهي تحتاج لما يناسبها من مدارس؛ ولقد كان المعلم او المدرس الى زمن قريب، يتم تعيينه في القرى والارياف لمدة زمنية كي يرتقي بتلاميذ تلك المناطق البعيدة عن المركز؛ لكن بعد انتشار( جنابر) التعليم الأهلي، وهو تعليم ربحي هدفه جني الاموال لا اشاعة العلم، ولعله يحرج المعلم او المدرس الحكومي بسبب ارتفاع راتبه الشهري على راتب المعلم الحكومي، فضلا عن بناية المدرسة التي قد يتوفر فيها من أجهزة التكييف والمرافق الصحية ما لا يتوفر في المدارس الحكومية التي غالبا ما تجمع أكثر من اربعين طالب في غرفة واحدة خالية من المراوح والكراسي؛ فنرى المعلم والمدرس والطالب العشوائي يلجأ لشراء شهادة بشكل رسمي، لأنه سينهي وقتا مخصصا للدراسة، وسيمتحن، وربما لا، وسينجح، وسيجتاز المرحلة الابتدائية، ثم المتوسطة، ثم الاعدادية، ليجد نفسه بعد ذلك طالب كلية لكن ايضا على نفقته الخاصة وبمعدلات متدنية، ليحصل بعدها على الماجستير ثم الدكتوراه !!.
ان هذا المسار مسار خطير، وسينهي كل ما نعول عليه من وعي مستقبلي، ولعل التعليم الأهلي يكون نافعا حين تكون مواده وطريقة النجاح فيه اصعب من الحكومي، لكي نحصل على جيل علمي حقيقي، يذهب ويدفع المال ليشتري العلم لا ليجتاز مرحلة دراسية ويحصل على شهادة !
نحتاج الى وقفة حقيقية لانقاذ طلبة المراحل الابتدائية والمتوسطة والاعدادية، بعد التدني والخراب الذي عاث بمخرجات هذه المراحل، ونحتاج الارتقاء بالتعليم الحكومي لجعل المدارس الحكومية اكثر استقطابا للطلبة من المدارس الاهلية والعشوائية، وهذا لا يتسنى لنا الا بعد التشديد على الدراسة الاهلية ومنع استسهال النجاح فيها .
نحتاج جدا الى صحوة في مجال التربية والتعليم، لكي نؤمن لابنائنا مستقبلا واعيا يحميهم من أي شخص يرطن امامهم بخطب عصماء ويرسلهم الى حيث تريد سلطته ويعود هو الى أسرته محملا بالعطايا !!.