نحو النجاة

ضياف البراق

إنها القمة الكرتونية الثلاثون، وما زال الوحل يخنقني! ما زال الألم ينهش جسدي الممزِّق والحزين. يتساءل صديقي بحرقة وغضب: «لماذا يجتمعون؟!». أمّا أنا لم أعد أتحمّل أكثر من هذا العبث التكراري المُميت. أين سيجارتي؟ أين عُمْري؟ أين أنا…. كعادتي المقرفة ما زلتُ أذرف الدموع وأتساءل.
لم أعد أتحمّل أخطائي المُهينة، واللا محدودة.. يا لضعفي الهشّ!
أنصحكم من هنا، من أعماق هذه المنطقة الفاشلة: كونوا جاهزين وأقوياء، الأيام القادمة أسوأ بكثير من التي مضت. كونوا يائسين أو مجانين مثلي، إنني أحبكم كالعادة. لا تقلقوا نحوي، ما زلتُ مشردًا، مضطجعًا على بطني، أحتسي الرملَ والفراغَ، وأتجرّع مخلفاتِ أجدادي البؤساء..
أعزائي: علينا أن نحيا الحياة الإنسانية الرائعة، نحياها على الدوام، وحيثما نكون. وعلينا، قبل كل شيء، أن نتجاوز كل العُقد النفسية والفكرية التي ورثناها عن الماضي البغيض. هنالك عادات بائسة، باتت غير إنسانية، تسيطر اليومَ على سلوكنا الشخصي والاجتماعي، وتستحوذ على جزء كبير من فكرنا، لذا يتوجّب علينا الخروج الكُلِّي منها إلى عالم إبداعي نقي ومضيء، عالم جديد، واسع، يجد فيه الإنسان كرامته وصحته الكاملة.
القراءة هي الحل. ولكن، علينا قبل الشروع في القراءة، أن نحسن اختيار الكتاب الذي يكسبنا الشخصية العصرية الرائعة، والعادات الحسنة، ويعود علينا بالنفع والرقي الحضاري. فهناك مؤلفات تخنق حياتنا، تأكل أوقاتنا، بل تستعبدنا حتى يصيبنا الموت النصفي أو الكلي، وهنالك المؤلفات المفيدة التي تُوَسِّع اتجاهات حياتنا، تضيء لنا الدروب، وتجعلنا نتقدم ، ونحلٍّق، باستمرار، نحو فضاءات بنّاءة تشرقُ منها السعادة. مؤلفات الفلسفة مهمة، طبعًا. إن قراءة مؤلفات الفلاسفة تجعلنا أكثر مرانة وحرية، وهذا شيء جميل، بل ضروري. والقراءة حياة وفن، والإنسان الناجح هو فنان بالضرورة.
العقلية القديمة أو الظلاميّة لا مكان لها في عالَم اليوم؛ لأن هذا العالَم بحداثته الفائقة لا يلتفت إلى الأفكار البدويّة والميّتة، بل يطردها بعيدًا مثل البحر يطرد الموتى من داخله. نحن الآن خارج الوجود الحديث، خارج الضوء. رثَّت أحلامنا وعقولنا، تمامًا. متى نصحو؟ متى نخرج من هذه القبور الظالمة… ها قدْ هرمنا بما يكفي لكي نولد من جديد ونحيا حياة جديدة.
إننا، اليوم، في مسيس الحاجة إلى الخلاص الثوري من جميع العواطف الغشيمة، الجاهلة، ومن الأنانية اللعينة التي تحملنا على اقتراف الحقارات والمفاخرة بها، وكذا الخلاص من الرؤى الضيّقة؛ تلك التي جعلتنا، وتجعلنا، نعيش حياة الحيوانات، فلا نتغيّر، ولا نريد الارتقاء، فقط نعيش لنصرع بعضنا بعضًا. إنه ليس من المنطق أن نحيل فشلنا هذا إلى ذمة الآخر (الناجح)، أو نلقي عليه الاتهامات البلهاء. والأمر المنطقي هو أن نعترف بفشلنا، ومن ثم نطلب معالجته، ونجتهد كثيرًا من أجل النجاح.
نحن لا نستحق كل هذا الذُّل الحقير الذي يجرّنا، دائمًا، من أُنُوفنا المُنكَّسة إلى شتى الأزمات والمحارِق. بل إننا لا نستحق أن نظل غرباء هكذا، أي خارج المعنى.. فهذا العصر الجديد والأجَد بحاجة شديدة إلينا، ومن هنا هو يضطرنا إلى التحرُّر والرقي من أجل بناء الحياة الرفيعة، لا العكس كما هو حاصل.
من يطلب الحياة الفاضلة، يلزمه أولًا تحطيم ما يعيقه عن الحركة الحُرّة ويبعده عن تحقيق هكذا أمنية عظيمة، كما يلزمه أن يقلع عن الخوف السلبي الذي يقوم عليه التخلُّف، ويُحلِّق عاليًا في فضاءات مدنية وإنسانية رحبة وناضجة.
فالركود يُميت حياة صاحبه شيئًا فشيئًا؛ لأنه يُدمِّر وجدان هذا الإنسان، والإسراف في هذا الركود هو الأخطر! ونحن، كما يصرخ واقع الحال، قد أسرفنا فيه كثيرًا، وما زلنا نسرف، بدليل أننا لم نلقَ الحياة السعيدة، فهي بعيدة عنّا كل البُعد.
بسبب الركود نفقد الرؤية ثم الطريق، ونعيش بعد ذلك في ظلامٍ وفشلٍ دائمين. إذَن، لن ننجو إلا حينما نحترم هذا «العقل» العظيم، ونعتني به حتى يعود علينا بالنفع والجمال.
أعزائي: لا تفكّروا بشيء غير الحياة العادلة الجميلة. تعالوا ننتمي إلى عصرنا هذا، نناضل فيه معًا، نرقص بخشوع، نحب بجنون، نرتشف القهوة بهدوء ونتأمل الطبيعة بعمق، نطير عاليًا. تعالوا نلعن الحروب، نخونها.. نتسامح، نتعاون، نقرأ ونبدع، ونفتح صفحة جديدة مع كوكبنا الجميل، ومع الآخر المختلف. لا شيء أشرف وأعظم من العقل. لا شيء يسعدني!