نساء انطباعيات منسيات

بقلم كاث بوند

ترجمة ومراجعة : رسل الصباح

المصدر : BBC

كانت بيرث موريسوت وماري كاسات من الشخصيات البارزة والقيادية في الحركة الانطباعية، وأشاد بهما أقرانهما والنقاد على حد سواء. كانت موريسوت من الأعضاء المؤسسين للمجموعة. جعلتها صورها الغامضة للمرأة الباريسية، بالاشتراك مع تجاربها الثورية في مفهوم «مكتمل» و «غير المكتمل» في لوحاتها، واحدة من أكثر الأرواح المغامرة. أما كاسات فتميزت بكونها الأمريكية الوحيدة التي برزت بين الانطباعيين. جلبت لها تفسيراتها العصرانية الفريدة للموضوعات التقليدية مثل الأم والطفل اعترافاً دولياً.

إلا أن الطبيعة الراديكالية لعمل موريسوت وكاسات تم تجاهلها في كثير من الأحيان من قبل النقاد الذين لم يتمكنوا من رؤية ما وراء موضوعهما «الأنثوي»، ولاحقاً رفضهما مؤرخو الفن كشخصيات ثانوية في الحركة. اليوم، وفي حين أن النظراء الذكور كمونيه، مانيه، ديغاس، ورينوار هم شخصيات مألوفة أقل بكثير من موريسوت وكاسات. سعى معرضان رئيسات، في متحف الفنون الوطنية للفنون الجميلة في كويبيك، ومتحف جاكوامار آندريه في باريس، إلى تصحيح ذلك.
كانت موريسوت في صميم الانطباعيين. وكان مانيه من أشد المعجبين بعملها وكان هو من دعاها للانضمام إليهم. وحتى قبل انضمامها إلى الانطباعيين، كانت موريسوت قد صنعت صورًا مبتكرة للغاية للمرأة العصرية. اثنان من أعمالها الأكثر شهرة، «مهد الطفل» (1872) و«الباطنية» (1872)، والتي تكشف عن قدرتها الفطرية لإظهار «تعقيد البشر»، كما تصفها المقـيّمة نيكول آر مايرز. هناك شعور بالغموض من خلال عملها. تنظر الأم إلى طفلها بطريقة يمكن أن تدل على التعب أو الملل أو حتى الندم، في حين أن الشخصية المدهشة في «الباطنية» لها انطباع يصعب قراءته بنفس القدر. تقول مايرز: «يوجد مغزى أكثر مما يمكن ان تراه العين».
فمن خلال ضربات الفرشاة الايمائية الفضفاضة، تمنح موريسوت المرأة في اللوحة وجود نفسي عميق. وغالبًا ما كان يتم رسم لوحاتها من خلال نافذة أو شرفة كما لو كانت على عتبة اكتشاف جديد. تقول سيلفي باتري المشاركة في التقييم: «كانت موريسوت مهووسة بمرور الوقت».
في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، تم الاعتراف بموريسوت في الصحافة بأنها تحتل مكانًا مركزيًا في الانطباعية، لكن نظرتها الجمالية المبتكرة كانت نتيجة نظرتها الأنثوية. وفي حين تعتبر لوحات زملائها الذكور «أصيلة» أو «نشطة»، فإن لوحات موريسوت «ساحرة»، «رقيقة» و«ناعمة».
منذ ثمانينات القرن التاسع عشر تأثرت أعمالها في كثير من الأحيان بالروكوكو- اسلوب في التزيين متميز بالزخرفة-، الذي كان يسعى لإحياء فرنسا في ذلك الوقت. فأخذت جوانب مختارة مثل ألوان الباستيل الساطعة أو صور الأنوثة الحسية وتم تكييفها وتحديثها إلى درجة أن مصادر موادها بالكاد تكون واضحة.
لكن تجاربها مع مفهوم «مكتمل» و«غير المكتمل» في رسوماتها أظهرت أنها «كانت واحدة من أكثر النساء جرأة، وانها امرأة تخطت الحدود فعلاً»، كما تقول باتري. في لوحة «امرأة تقرأ في الرصاصي» عام 1879، يذوب الشكل تقريبا في الخلفية وتُترك الحواف غير مكتملة.
لهذا تعرضت موريسوت لانتقادات شديدة، حيث رأى العديد ان ابتكاراتها المذهلة دلالة على ضعف شعورها بالأنوثة. لكن أقرانها لم يكن لديهم مثل هذه الشكوك. وبعد مرور عام على وفاتها المفاجئة عام 1895، تم تنظيم ما تبقى من أعمالها إجلالاً لموهبتها.

المرأة المعاصرة
كانت كاسات رسامة ذات إيمان غير محدود بقدراتها، وكانت سعيدة أيضًا لتحدي العرف. استطاعت معارضها الفنية الناجحة والسابقة أن تضمن لها مهنة مربحة للعودة الى بلادها، لكنها كانت منجذبة إلى التفكير الحر والنشط للانطباعيين.
شهد ديغاس على عملها في عام 1874 وأعجب به كثيرًا. فأصبح الاثنان صديقين مقربين وقدم لها نموذجًا للوحة «الفتاة الصغيرة على الاريكة الزرقاء» (1877-1878)، والتي تعتبر لوحتها الانطباعية الأولى. ان التصوير المذهل لفتاة صغيرة مسترخية على أريكة مع تعبير يوحي بأن التصميم أبعد ما يكون عن مهنتها في الاختيار، مؤشر واضح على قدرة كاسات الفطرية على تصوير الحياة الداخلية لموضوعاتها.
لكن كاسات كان تعلم أن ضربات الفرشاة الفضفاضة والخلفية الساطعة من غير المرجح أن تحظى بتقدير لجنة تحكيم معرض يونيفرسال والذي شاركت به عام 1878. وعندما تم رفضها، «وهذا دليل على أنها أصبحت معاصرة حسنة النية وجزءاً من التمرد الانطباعي»، كما تقول المقـيّمة نانسي مول ماثيوز.
دعاها ديغاس للانضمام رسميا إلى المجموعة، فكان أول ظهور لها معهم في عام 1879، متلقية تعليقات إيجابية من الصحافة الفرنسية رغم ان الأمريكيين كانوا أقل انبهاراً بتوجهها الجديد.
اشتهرت كاسات بتصويرها للمرأة العصرية والتي رسمتها باحترام فريد. ففي لوحة «كأس الشاي» عام 1881، والتي صورت فيها شقيقتها ليديا في ثوب وردي أنيق تتناول الشاي بعد الظهر، يظهر ان اهتمام كاسات يكمن في عقل موضوعها أكثر من مظهرها الخارجي. تقول مول ماثيوز: «كانت تحاول حقاً تصوير فكرة التأمل».
في أعمال لاحقة مثل «نساء شابات يقطفن الفاكهة» عام 1892، تصور كاسات النساء «كالآلهة الأثرية» كما تقول ماثيوز، فكثيراً ما علق النقاد على عدم جاذبية نماذجها، لكن هذا كان اختياراً مدروساً منها، اذ انها كانت مصممة على إثبات قدرتها على خلق أعمال فنية مذهلة مع تجاهل المفاهيم التقليدية للجمال.
كانت هذه اللوحات محط إعجاب كبير من قبل جانبي المحيط الأطلسي، حتى لو كان النقاد الأمريكيون أكثر ميلاً إلى مناقشة ما إذا كانت الأمهات اللاتي يظهرن في لوحات كاسات أمريكيات أم فرنسيات أكثر من الفهم الكامل لصورها الرقيقة.
ان حقيقة كون كاسات رسامة أمريكية بأسلوب فرنسي هو بلا شك أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل دورها في الانطباعية اليوم غير مقدّر. فإن مقيـّمي المعرض غير متأكدين مما إذا كانوا سيعلقون لوحاتها في الأقسام الأمريكية أو الأوروبية، تاركين عملها في طي النسيان.
على أمل أن تجعل هذه المعارض انتماء كل من موريسوت وكاسات أكثر وضوحاً- جنبًا إلى جنب مع عظماء الرسامين الانطباعيين الآخرين.