«ها ـلــــــت» وسط صراخ الباعة

وسام هاشم

لكي تصل إلى مبنى قاعة سينماتك ومسرح القصبة ينبغي عليك الولوج في شوارع قلب المدينة الذي يطلقون عليه تسمية [التحتا]المشتقة، كما يبدو، من داون سيتي المتعارف عليها في المدن العريقة غالباً، حيث الباعة وصراخهم وسوق الخضار الكبير والرئيس ومحال بيع أدوات البناء والعدد الكهربائية واليدوية وغيرها، كل هذا جعلني استغرب من اختيار مكان لقاعة عروض مسرحية وسينمائية بعيداً عن الأحياء الأكثر هدوءاً ورقياً في المدينة.

لكن هذا يحسب لهما، القاعة والفرقة، أو ليس المسرح إبان للناس والأحياء الشعبية وهمومها ومشاكلها، كما تنادي أغلب الطروحات المسرحية والفكرية بل حتى السياسية المتقدمة؟
هناك أمكنة لا ندخلها لكنها تدخل إلى أرواحنا مباشرة، بعطر ما،عبق عتيق ربما، إشارة تجر الذين في قلوبهم ماض أو تشابه، عني وأنا أدخل المبنى بلونه الفيروزي الطاغي سحبتني خطواتي إلى مناخات «مسرح بغداد» و»فرقة مسرح الفن الحديث» في سبعينيات القرن الماضي في حي البتاويين الشعبي بأحد مراكز بغداد.

تأريخ وتسميات لا تحصى وثبوت المعنى

في العام ١٩٧٠ في القدس تحديداً بدأت «القصبة» بإسم «فرقة الفنون المسرحية» لكن التسمية هذه تتقافز سريعاً وطويلاً إلى تسميات أخرى، وأصبحت في العام ١٩٨٤؛ مسرح الشوك» ثم في العام ١٩٨٦ تغير اسمها إلى «مسرح الورشة الفنية» ثم مالبث التغيير في المرة التالية، وكان هذا في العام ١٩٨٩، أن طال مبنى مسرح القصبة ذاتها في مدينة القدس لينفتح على إمكانيات أخرى كثيرة وجديدة عليه، فتحول إلى قاعة للعروض السينمائية المنتقاة وقاعة ثانية ثابتة لمعارض الفنون التشكيلية وملتقى للمثقفين والفنانين الفلسطينيين وبالطبع دون ان تلغى قاعته للعروض المسرحية التي كانت حينها تتسع لـ ٩٥ متفرجاً فقط.
العام ١٩٩٨ كان العام الفاصل حيث بدأ العمل على تحويل وتحوير صالة «سينما الجميل»، التي أغلقت عام ١٩٨٧والتي فتحت بعد ثلاث سنوات تقريباً بإسم «مسرح السراج» لم يكن مكتمل الجاهزية، إلى ما مايعرف الآن بـ»مسرح وسينماتك القصبة» في رام الله وكان الأول من حزيران ٢٠٠٠ هو تأريخ افتتاح رسمي لما سيصبح سريعاً من أهم مراكز الثقافة والفنون في رام الله وفلسطين.
المهم، في حركة السنوات والتسميات الكثيرة المختلفة هذه، انها جميعها تشير إلى بوصلة السعي الجاد والمصر إلى منطقة المسرح التجريبي والحديث وإلى الانفتاح على الفنون الأخرى كالسينما والتشكيل، بدون أي تردد ووصل هذا الإصرار إلى يافطة القاعة التي أكدته [ قاعة سينماتك ومسرح القصبة].
ولهذا لم تتناس إدارات الفرقة والمسرح التي تعاقبت عليه مانصت عليه لائحة الأهداف الأولى في العمل على بناء وتطوير المهارات في مجال المسرح والسينما والفنون الأدائية، ونشر الفنون المسرحية والسينمائية والأدائية لدى جميع فئات المجتمع، وخصوصاً لدى الأطفال والشباب والنساء. وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي في الفنون المسرحية والسنيمائية، إضافة إلى ما كان واضحاً من ادراك وإصرار «القصبة» على التعاون وتبادل الخبرات والأنشطة مع المؤسسات المحلية والتبادل الحضاري والثقافي مع مؤسسات العالم بالقدر الذي تتيحه ظروف مسرح يحدث في فلسطين بكل مصاعبها التي نعرف.

حلم «اكاديميا الدراما» وجامعة «يوهان فولفغانغ الألمانية»

في البلاد التي تنام على ما لا تعرف وتصحو على ما لا تعرف يزداد حجم سؤال مفاده: من أين لفرقة مسرحية أو قاعات مسرحية ان تتوفر لها كوادر فنية وممثلين ومخرجين وحتى كتاب مسرح محليين ؟
هذا الهم السؤال لم يكن خارج أحلام «القصبة» الذي كان من ضمن الأحلام شبه المستحيلة حتى توافرت فرصة الإعداد لإتفاق واقعي مع واحدة من كبريات الجامعات في التخصص المسرحي والفنون الدرامية هي جامعة «يوهان فولفغانغ» الألمانية في مطلع عام ٢٠٠٩ الذي مهد لتأسيس «اكاديميا الدراما» في مسرح القصبة كمؤسسة مهنية تعليمية «تهدف التعليم الفنون المسرحية المختلفة عملياً ونظرياً وتمنح شهادة البكالوريوس في فنون الدراما» والكلام هنا للفنان جورج إبراهيم أحد مؤسسي ومديري «القصبة» وفي حفل الافتتاح الرسمي للأكاديمية حينها، والتي يبدو أنها ما تزال تواظب على أن تنام مثل رام الله على حلمها بمسرح حديث وفعال.

خارطة جسد «القصبة»

قرابة ٤٠٠ متفرج هو ما تتسع له أكبر قاعات المسرح في «القصبة» والتي تحمل إسم المخرج الفلسطيني «إنطوان صالح» والمزودة بأحدث أجهزة الصوت والإضاءة ومهيأة للعروض السينمائية، في حين تتسع قاعة «أبو الطيب « [ نسبة إلى كنية الشاعر الفلسطيني عبد اللطيف عقل ] لنحو ٣٠٠ متفرج وهي مجهزة كسابقتها تماماً، وفي الخارطة وجسد القاعة أيضاً «جاليري القصبة « الذي يستخدم إضافة معارض الفنون التشكيلية كمنتدى للمسرح وورش العمل وتدريبات الرقص. وهناك أيضاً قاعات الاجتماعات والندوات ومطعم «زان القصبة».

ليست عابرة،
مهرجانات وأسابيع في كل العالم

ليس من الصعوبة ان يلاحظ المتابع أو المطلع على تأريخ فعاليات وأنشطة «مسرح وسينماتك القصبة» الكم الكبير والنوع المنتقى الطليعي سواء في المسرحيات التي عرضت على خشباتها، والنصوص العالمية والمحلية منها، ومهرجانات وأسابيع السينما الفلسطينية والعالمية التي ركزت في بعضها على أسماء مخرجين كبار كأسبوع أفلام المخرج الألماني Werner Hersog والمخرج الفلسطيني «عبد السلام شحادة»، ناهيك عن أسابيع السينما الفرنسية والتركية والأسترالية والبلجيكية والإسبانية والمغربية والأسبوعين المميزين عن «صورة الاسرائيلي في السينما الفلسطينية» و «صورة الفلسطيني في السينما الاسرائيلية» وأسابيع سينما الأطفال ومسرحه التي تأخذ حيزاً مهماً من سلسة مسرحيات وعروض يطلق عليها محلياً تسمية «عروض عائلية».
وينبغي المرور ،ولو سريعاً، على حجم المشاركات الكبير في مهرجانات مسرحية عالمية في أمريكا والنرويج وألمانيا وبولندا وطوكيو وإسبانيا والكثير من دول العالم، وعربيا في قرطاج بتونس وأيام عمان المسرحية ومهرجان المسرح المحترف في الجزائر وغيرها الكثير.
«القصبة» إذن لا تأخذ عمقها وعبقها وأهميتها كفرقة وكمسرح اعتباطا أو استجابة إعلامية ما ولايمكن بأية حال تجاهل العراقيل التي واجهتها وتواجهها بحكم موقعها في بلاد العجائب كلها والمسرح من عجائبها السبع.