هل الفضة لون الخيانة ؟

 

بقلم: كيلي غروفير
ترجمة: رسل الصباح

الفضي هو أكثر الألوان مراوغة. لا يعرف أبدًا ما إذا كان سيأتي أم سيذهب. فالبعض يهدي الملاعق الفضية والفناجين والأساور لإحياء ذكرى مولود جديد إلى العالم، لكن في الوقت نفسه نفزع من تصبغ شعرنا باللون الفضي عندما نتقدم نحو الشيخوخة. قد يكون اللون الفضي تطلعي ومستقبلي بالمعنى الحركي في عصر الفضاء، ومع ذلك لا يزال اللون تواقاً للرجوع الى الماضي والى اللمعان في اللوحات القديمة. لا يمكن للون للفضي ان يكون في الحاضر، ولكنه بالأمس والغد.

الفضي صعب المنال كما هو شاعري. فعبر الثقافات والقارات والقرون كان هذا اللون بمثابة رمز لواقع سري لا يمكن أن يلمحه إلا الخيال. والحديث الباطني عن الخيوط الفضية والاوتار الفضية يمتد من التعاليم الفيدية (ديانة كانت سائدة شمال الهند سابقة الهندوسية) والقبالية (معتقدات وشروحات روحانية فلسفية، عند اليهود). إن سابع وأعلى القصص الملونة في الزقورة البابلية القديمة والمفتتة الآن، إيتيمينانكي- والتي يعتقد البعض أنها نموذج أولي لقصة برج بابل- كانت فضية اللون ومخصصة للقمر. بالنسبة للمنجمين، كالشاعر ويليام بتلر ييتس، فإن اللون الفضي هو لحن الروح التي لا تنام.
منذ العصور القديمة، إستولى الفنانون على الفضة ذات اللون المراوغ والحيوي، حريصين على الاستفادة من أسرارها المعدنية. القوارير الفضية، الجرار، والسلطانيات، المتلاشية وسط أكوام من الفاكهة والزهور الناضجة، تنعكس بشكل متلألئ وترمز كما لو كنا وسط عالم غريب. من لوحة الفنان الهولندي ويليام كالف في القرن السابع عشر «الحياة الساكنة مع إبريق فضّي» (1655-1660) إلى الجمال المجعد للتركيبة المعاصرة لكورنيليا باركر «ثلاثون قطعة من الفضة» (1988-1889) – والتي تتكوّن من أكثر من ألف قطعة من وعاء شاي وترومبون- آلة موسيقية-، شمعدان وأدوات المائدة والسكاكين- ثبت أن اللون لا غنى عنه في النسيج الغامض من تاريخ الفن.
على الرغم من أنها دائماً تحظى بالمرتبة الثانية بالنسبة للذهب في المقارنات العابرة في هذا العالم، طورت الفضة عقدة نفسية كلون. على عكس أوراق الذهب، التي تبقى حقيقية مع مرور الوقت، فإن الفضة لديها ميل إلى الالتفاف. كما في درع الصلصال البارد في لوحة الرسام الفلورنسي باولو أوشيلو من معركة سان رومانو (صدام عام 1432 بين الفلورنسيين وفرسان سيينا) والذي تأكسد على مر القرون.

جيد كالذهب
في عام 1628، راهن أحد الفنانين الهولنديين الطموحين بإسم رامبرانت فان راين، الذي كان لا يزال في أوائل العشرينات من عمره، بشجاعة أن الفضة جديرة بالثقة ويمكن أن تكون جيدة كالذهب، في محاولة لتغيير سمعتها السيئة. ونجح بالفعل. في لوحة الدراما الدينية الاستثنائية «يهوذا التائب، معيداً الثلاثين قطعة من الفضة» (المكتملة في عام 1629)، يبعثر رامبرانت حفنة من القطع الفضية على الالواح المصنوعة من خشب البلوط في مقدمة لوحته المزيتة. فتتبارى أعيننا لإحصاء التغيير الفضفاض ولقياس التغير في القلب المحفور في وجه الحواري الذي كان يخون المسيح بوحشية من أجل عملات معدنية.
كان المقصود من إختلاط اللمعان بالظلال، في لوحة «يهوذا التائب، معيداً الثلاثين قطعة من الفضة» هو إبهار الرعاة المحتملين الذين قد يكونوا على استعداد للتخلي عن أموالهم مقابل لوحات رامبرانت. وقد نجح الامر. إذ جذبت مجموعة العملات الفضية إنتباه شاعر العصر الذهبي والملحن قسطنطين هايجينز، الذي أشاد برامبرانت بإعتباره عبقريًا تجاوزت موهبته حتى فناني العصور القديمة. وسرعان ما جذبت اللوحة التي تعد أول تحفة فنية حقيقية للفنان، أعين الأمير.
في مكان آخر في أوروبا وفي القرن السابع عشر، وتحديداً في مدريد، وجد دييغو فيلازكيز نفسه يلف بعناية الخيوط الفضية في المواضيع التي تحظى بإعجاب كبير. إن لوحته اللامعة عن راعيه، فيليب الرابع ملك إسبانيا، والتي تسمى بـ « فيليب الفضي»، هي عبارة عن شبكة ساحرة من زخارف معدنية تعطي هالة عن نزاهة الملك الداخلية ولطفه بدلاً من أن تغمره، بسهولة، في ثراء بغيض.
على عكس لوحة فيلازكيز للملك فيليب، توضح لوحة فرانسيسكو غويا لوريث الملك فيليب في القرن التاسع عشر، فرديناند السابع (رسم كاريكاتوري يقطر ذهباً صارخاً يلمح إلى غرور فيرديناند الفاضح)، بينما تكشف لوحة فيلازكيز للملك فيليب عن رقة الفضة كلون للبريق الداخلي بدلاً من الوميض الدنيوي الفان.

اللمعان والبريق

وهكذا، فإن قصة الفضة أو اللون الفضي تمتد من عصر إلى آخر، ومن جيل إلى جيل. في إظهار قناعته بأن الإيقاعات البصرية للخط والشكل واللون في اللوحة تضاهي الإيقاعات غير المرئية للموسيقى الليلية، وصل جيمس ماكنيل ويسلر إلى الفضة أولاً. وإن لوحة المشهد الليلي: الأزرق والفضي- تشيلسي (1871)، تعتمد على القوة المنومة في الفضة وعلى وضوح إستقرائي لا يعرف في أي وقت أو مكان.
في لوحة ويسلر، يتلاشى الصياد الذي يقف على ضفاف باترسي في لندن، كالشبح من خلال لمعان مدفون يتلألأ تحت سطح الهواء والماء والرمل- عناصر ذابت في مادة فضية محيرة.
لم يفقد اللون الفضي أيًا من بريقه في صناعة الفن الحديث. فنجم البوب وصانع الافلام ومصمم الاعلانات آندي وارهول، طلى الاستوديو الخاص به وشعره باللون الفضي، وأصر على أن الستينيات كانت بالفعل «الوقت المثالي للون الفضي». قال وارهول: «الفضة هي المستقبل، يرتدي رواد الفضاء البدلات الفضية. وهي أيضا تمثل الماضي -الشاشة الفضية- فممثلات هوليوود تم تصويرهن في مجموعات فضية اللون».
في عالم وارهول الملئ بالمشاهير، يبدو أن كل شيء يستحق التفكير حول اللمعان الفضي. رأى وارهول الفضة على أنها لون وجودنا الذي لا يمكن تفسيره والموسيقى التي تتلاعب بنا وتؤدي دورنا.