هل قرأ الجاحظ «فن الشعر» لأرسطو؟

شاكر لعيبي

هل قرأ الجاحظ أرسطو؟ ثمة شكوك كبيرة تحيط بالموضوع. من المعلومات الشائعة التي تحتاج تدقيقاً أن كتاب «فن الشعر» لأرسطو لم يُترجم في زمن الجاحظ (776 – 868م)، فإن ما نعرفه عن ترجمات الكتاب أنها تقتصر على ترجمة أبي بشر متى بن يونس القنائي (870 – 940م) من السريانية (تقرأه كاملاً في كتاب عبد الرحمن بدوي: «فن الشعر، مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد»)، وترجمة الفارابي (872 – 950م) أو شرحه في رسالته في «قوانين صناعة الشعراء»، وفي ترجمات أو شروح ابن سينا (980 – 1037م) وابن رشد (1126 – 1198م) لأرسطو.

لكن ثمة ما يفيد بوجود ترجمات غير هذه، قد يرقى بعضها لزمن الجاحظ، وقد يبرهنها مُداوَرَة ابن النديم في (الفهرست)، فهو يذكر عندما تحدَّثَ عن أرسطو كتاب «الكلام على أبوطيقا، ويقال بوطيقا، معناه الشعر، نقله أبو بشر متى من السريانيّ الى العربيّ، ونقله يحيى بن عدي وقيل إن فيه كلاماً لثامسطيوس ويقال إنه منحول إليه، وللكندي مختصر في هذا الكتاب».
وإذا كانت ترجمة بشر متى معروفة، وهو المولود بعد عامين من وفاة الجاحظ، فابن النديم يذكر من مترجمي أرسطو ابن ناعمة الذي ترجم كتاب ( الكلام على سوفسطيقا، ومعناه الحكمة المُموَّهة). أما ابن ناعمة فهو عبد المسيح بن عبد الله الحمصي الناعميّ. ترجم سنة 220هـ أي 815م كتاب «أثولوجيا» المنحول على أَرِسطَاطَالِيس للخليفة المعتصم، كما ترجم قسماً من كتاب السماع الطبيعيّ، وهو صحيح النسبة إلى أَرِسطَاطَالِيس، وسنة ترجمته تقع في حياة الجاحظ.
ويذكر الفهرست كذلك (كتاب ريطوريقا، ومعناه الخطابة ويُصاب بنقل قديم). نقل قديم يعني غالباً القرن الثامن أو التاسع زمن الجاحظ أيضاً.
ويذكر ابن النديم، مرة أخرى، كتاب الحيوان الذي ترجمه ابن البطريق، وهذا هو يحيى بن البطريق (ت. نحو 200 هـ – 815م) أي في حياة الجاحظ.
لعل ترجمة أو مختصر ترجمة لكتاب أرسطو هذا أو أحد كتبه الأخرى كان موجوداً في مكتبات الورّاقين زمن الجاحظ، وقد اطلع الأخير عليه، وهذا ما أذهب إليه لأكثر من قرينة غير هذه مما سيأتي. لكن الدلائل المنطقية المطروحة هنا لا تستقيم إلا بالمقاربات النصيّة.
كثير من الباحثين لم يفته السؤال الذي نطرحه. فالدكتور طه الحاجري يرى في كتابه (الجاحظ: حياته وأثاره، طبعة دار المعارف بمصر 1962) أن كتاب أرسطو لم يُترجم في عصر الجاحظ وأن حديثه عن الحاكية من الراجح أنه تأثر بحديث اليونان عن المحاكاة عن اليونان قبل أرسطو. وهذا لا ينفي احتمال علمه بمحتوى الكتاب، قبل ترجمته لصلاته الوثيقة بالتراجمة، وصحبته للعديد من الكتّاب المتأثرين بالثقافة اليونانية».
فمن هم الحاكية؟ وما علاقة ذلك بالمحاكاة التي هي الأساس المفهوميّ لنظرية أرسطو في «فن الشعر»؟ يقصد الجاحظ بذلك البشر الذين يقومون بالمحاكاة، أي التقليد دون أن يَصِلَ فكرة المحاكاة، في السياق الذي يتحدّث به، بالشعر أو الرسم. يقول الجاحظ:
«ومع هذا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكّان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئاً وكذلك تكون حكايته للخراسانيّ والأهوازيّ والزنجيّ والسنديّ والحبشيّ وغير ذلك، نعم حتى نجده كأنه أطبع منهم فأما إذا حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل أطرافه في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد كما أنك تجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينه وأعضائه لا تكاد تجد من ألف أعمى واحداً يجمع ذلك كله فكأنه قد جمع كل طرف حركات العميان في أعمى واحد. ولقد كان أبو دبوبة الزنجيّ مولى آل زياد يقف بباب الكوخ بحضرة المكارين فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بهير إلا نهق وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث لذلك ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه وكأنه قد جمع الصور كلها التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد، وكذلك في نباح الكلاب ولذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له العالم الصغير سليل العالم الكبير لأنه يصوّر بيده كل صورة، ويحكي بفمه كل حكاية ولأنه يأكل النبات كما تأكل البهائم ويأكل الحيوان كما تأكل السباع وأن فيه من أخلاق جميع أجناس الحيوان أشكالاً وانما تهيأ وأمكن الحاكية بجميع مخارج الأمم لما أعطى الله الإنسان من الاستطاعة والتمكن وحين فضله على جميع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة فبطول استعمال التكلف ذلت لذلك جوارحه ومتى ترك شمائله ولسانه على سجيتها كان مقصوراً بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه، وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الالفاظ وصور الحركات والسكون…..» (البيان والتبيين).
لكن الفقرة بعد تأملها تشير بالأحرى إلى فكرة المحاكاة العامة المُستفادة عند الإغريق في فنون المسرح والرسم، ألا تراه يقول: « كما أنك تجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينه وأعضائه لا تكاد تجد من ألف أعمى واحداً يجمع ذلك كله فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد». بل يصلها بالتصوير مباشرة بقوله: «لأنه يُصوِّر بيده كلَّ صورة».
وإذا لم يُقِم الجاحظ صلة في فقرته أعلاه بين المحاكاة وفن الشعر، فقد أقامها في جملته المهمة التي أوردناها في سياق مختلف، وهو يقول: «إنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير». جنسٌ من التصوير دليل قويّ إلى أنه يقيم، على خطى أرسطو، علاقة وثيقة بين فن الشعر وفن التصوير. وهو ما يعود إليه في عبارة أخرى: «وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ واحداً، وسُبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان» (البيان والتبيين). كما يجري الدهان أي كما تجري الأًصباغ المُلوِّنة. وهنا عودة بارعة لمقاربة الشعر بالتصوير. في تقديرنا، لم يكن ذلك ممكناً دون قراءة أرسطو بطريقة ما، إذ أن مثل هذه المقارَبة بين التصوير – الدهان والشعر لم تكن موجودة في الثقافة العربية عصر الجاحظ، ولم تقع إلا عند الجرجانيّ (1009- 1078م) لاحقاً بوضوح كبير.

لدينا الآن عبارتان أو ثلاث قد تشير إلى معرفة الجاحظ بتصوّرات أرسطو. وهنا البقية:

ظلت ترجمات أرسطو العربية معروفة في زمن أخوان الصفا (القرن العاشر الميلادي)، وهم يذكرون في «العلوم المنطقيات خمسة أنواع»: أولها أنولوطيقا وهي معرفة صناعة الشعر..»، وهذا تصحيف في رأيي، فالمقصود بويطيقا (poiêtikês) أي فن الشعر، فأنولوطيقا هي (Analytics)، أمر آخر، وهو كتاب القياس أو أنالوطيقا الأولى Premiers Analytiques، أحد الأعمال المنسوبة إلى أَرِسطُوطَالِيس، ويُعتبر ضمن الكتب المنطقية المسماة بـ «الأورغانون». قال صاحب كشف الظنون: «أنالوطيقا – معناه تحليل القياس نقله تيردورس إلى العربي وفسّره الكندي». وقرينه كتاب البرهان أو أنالوطيقا الثانية أو التحليلات الثانية (Seconds Analytiques) وهو عمل منسوب إلى أَرِسطُوطَالِيس أيضاً، ويُعتبر ضمن الكتب المنطقية المسماة بـ «الأورغانون». قال صاحب كشف الظنون: «نقله اسحق إلى السريانيّ ونقل متى نقل اسحق إلى العربي وشرحه الفارابي».

لعل ابن المقفع نقل الكتب الأربع الأولى من الأورغانون، وهي «إيساغوجي» و«قاطيغورياس» و«باري ارمانياس» و«أنالوطيقا» من البهلوية إلى العربية. كما قيل أن خالد بن يزيد بن معاوية (634 – 709م) طلب من بعض العلماء اليونانيين المقيمين في الاسكندرية، ترجمة كتب الأورغانون إلى العربية.
وهو ما يؤكده ابن النديم بقوله: «ممن فسّر هذا الكتاب أبو نصر الفارابي. وأبو بشر متى. ولهذا الكتاب مختصرات وجوامع مشجرة وغير مشجرة، لجماعة منهم ابن المقفع، ابن بهريز، الكندي، إسحاق بن حنين، أحمد بن الطيب، الرازي».

إذا بقينا عند ابن المقفع (724 ـ 759م) فهو سابق زمنياً على الجاحظ.

لذا فإن الأورغانون قد يكون معروفاً في زمن الجاحظ أيضاً. فكيف نفسّر جملة الجاحظ:

«والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً ولا منثوراً إلا بظهور الصوت» (البيان والتبيين).

وتماثُلها مع جملتي أرسطو:
«الخطاب هو رنّة منبعثة من الصوت المُزوَّد بالدلالة حيث ينفرد كل جزء منفصل من أجزاء [الخطاب] الأخرى بأنه مُحمَّل بالدلالة بصفته كلمة بسيطة فحسب وليس توكيداً لشيءٍ ما».
من كتاب الأورغانون L’Organon (ترجمتنا عن الفرنسية). ثمة فارق في الفرنسية بين رنّة، نبرة (son) وصوت (voix). الأولى، رنة، هي كلّ إحساس سمعيّ يستحثّه اهتزاز ما، بينما الثاني فهو مجموع الرنّات التي تستحثّها الحبالُ الصوتية. والفارق موجود في الغالب في اليونانية.

«الرنّات المنبعثة من الصوت هي رموزٌ لحالةٍ روحيةٍ، والكلمات المكتوبة هي رموزٌ لكلماتٍ منبعثةٍ من الصوت».
من كتاب L’Organon.

لن تجد، في تقديرنا، في الإرث النقديّ العربي تحليلاً للصوت بصفته «الجوهر الذي به يوجد التأليف» يُطابِق دقة عبارة الجاحظ، مع وفرة الكتابات عن الحروف والأصوات، حتى عصر ابن جني (ت. 1002م) الذي يُلقي على الصوت نظرة متفحّصة. مع الانتباه إلى قول الجاحظ: «لن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً ولا منثوراً إلا بظهور الصوت» الذي يعني غالباً أن حركات اللسان دون الصوت تبقى محض رنات مُسْتَحثَّة باهتزازٍ، وأنها لن تصير ألفاظاً أو كلاماً، وهذا ما يقوله الأورغانون.