هل من سقوط بلا قمة ؟

يستعيد مارتن هيدغر نشاطه الفلسفي بعد أزمته مع الحزب النازي وقد غادره وغادر الجامعة عميداً لها فراق له السؤال الفلسفي وكانت محاضراته شتاء 1937/ 1938 في جامعة فرايبورغ، وهي المحاضرات التي أعدها للنشر مساعده «فريدريش هرمان»، وترجمها إلى العربية «إسماعيل المصدق»، وراجعها مشير عون، لتصدر – ولأول مرة بالعربية – عن دار الكتاب الجديد المتحدة في بيروت سنة 2018.
في ثلاثينات القرن العشرين

ما استراح هيدغر ولن يستريح حتى وفاته سنة 1976 من سؤال الكينونة أو سؤال الكَوْن (das Sein) – وفق ترجمة الأستاذ المصدق – بعد أن صبَّ وافر أفكاره في كتابه العمدة (الكينونة والزمان) لسنة 1927. فعاد مرّة أخرى إلى هذا السؤال قدر تعلقه بالإنسان أو الكينونة (das Dasein) أو وبحسب ترجمتنا نحن «ممكن الوجود بذاته».
ويلاحظ المترجم الأستاذ المصدق في مقدمته إلى أن هذه المُحاضرات تزامنت مع إنشاءً كتاب هيدغر (إسهامات في الفلسفة) لسنة 1936 – 1938، الذي تم نشره في سنة 1989 بالألمانية، وفيه كان هيدغر قد طوّر أفكاره الفلسفية؛ إذ حاول «أن يفكِّر في حدوث الكَوْن الذي له طابعه التاريخي. ولذلك كان هيدغر يسمي تفكيره في تلك المرحلة تفكير تاريخ الكَوْن». وفي كتابه (إسهامات في الفلسفة) رأى أن «التاريخية هي بالأساس تاريخية الكَوْن نفسه، والكينونة نفسها ليست تاريخية إلا بمقتضى انتمائها إلى حدوث الكَوْن».
صاحبة السيادة
يعتقد المصدق أن هيدغر «حاول أن يعالج سؤال الكَوْن من منظور تاريخ الكَوْن». ويتساءل هيدغر نفسه: هل الفلسفة سيادية؟ يجيب بالنعم: إنها سيادية، لكنها غير مفيدة بنحو مباشر، فالفلسفة «لا تنجز أي شيء إذا جملناها على أساس: هل تفيدنا مباشرة، وبمَ؟»، لكن هيدغر نفسه يرى بأن «الفلسفة هي المعرفة المستبقة التي تفتح مجالات ووجهات جديدة للسؤال عن ماهيّة الأشياء التي تختفي دائماً» ولكن بأي معنى نفهم الفلسفة بأنها صاحبة سيادة؟
يقول هيدغر: «الفلسفة لا تستطيع إلا وتقدِم على أخص ما يخصها، أي: عندما نضع بالتفكير لكينونة الإنسان هدف كل تمعّن وتقيم، من ثم، في تاريخ الإنسان سيادة خفية، ولهذا يجب أن نقول: الفلسفة هي معرفة لماهيّة الأشياء لا تفيد مباشرة، ولكنها، مع ذلك، سيادة». وبذلك بالفلسفة تبقى غريبة على من يريد استثمارها مباشرة. إن حلب الفلسفة بطريقة مباشرة لهو الاغتراب عينه عنها، ومع ذلك تبقى «عظمة الإنسان بما يبحث عنه».
هل انتهى السؤال عن الحقيقة. يرد هيدغر بأن الإشكال ليس ههنا؛ بل إن «السؤال عن الحقيقة لم يُطرح بعدُ على نحو أصلي». ويعتقد بوجود «غياب للسؤال عن الحقيقة». ويتدارس التعيين التقليدي للحقيقة بوصفها صواباً (rectitdo)، وهو منحى أرسطوطاليسي قديم هيمن كثيراً على التفكير الفلسفي، ويرى هيدغر أن تصوراً بهذا المعنى «ينشأ من التفكير الطبيعي»، فالحقيقة هي: «تطابق المعرفة»، ويدخل فيه «التمثل، والتفكير، والحكم، والقول، والموضوع».
ويأخذنا هيدغر إلى جذور هذه المفاهيم من الناحية الفلسفية، وبدا هذا المنحى لذيذ التحليل عبر تحليل مفهوم «الصواب» وأشكاله اعتقاداً منه بأن الفلسفة هي تسلّق وليس مجرد أن يكون المرء في قمّة الجبل، وما هو لافت أنه يدعو إلى عيش التسلُّق رغم احتمالات السقوط؛ «فلا يمكن أن يسقط إلا منْ يتسلّق»، ولا «يمكن أن نجرِّب الكل والأمر الفريد إلا في الإنجاز، في جهد الصعود»، فيؤكد هيدغر قائلاً: «يجب المشاركة في قطع الخُطوات المفردة، وتسلسل الخطوات، بذلك فقط ينفتح الذي نتمعَّن فيه، والذي نسعى إليه».

الثورة على المعتاد
ولا يتأخر هيدغر بربط البحث عن الحقيقة بالكينونة الإنسانية، «وكل تصرُّف بشري حق يقوم في الواقع ويريد أن يُعيد صياغة الواقع أن يزحزحه ويحرره إلى إمكانات عالية سيصل إلى مطلب واضح يمكن التعبير عنه بإيجاز: نريد الحقيقي الذي يهمنا في الحقيقة».
ويفرِّق هيدغر بين «التمعّن التاريخي» و«النظر التاريخي»، فالتمعّن هو «الإقدام على معنى ما يحدث، على معنى التاريخ»، ويقصد بالمعنى في هذا السياق: «المجال المنفتح الذي تقع فيه الأهداف والمقاييس والدوافع والإمكانات الحاسمة والقوى، وكل ذلك ينتمي إلى الحدوث».
ومن هنا يرى هيدغر بأنه «لا يتعلّق الحدوث بصفته كيفية للكون إلا بالإنسان، فالإنسان له تاريخ لأنه وحده يمكن أن يكون تاريخيا». ولكي يقف هيدغر ضد المعتاد يرى هذا الفيلسوف العملاق أن الحاجة قائمة إلى «انقلابات على ما أصبح معتاداً – إلى الثورات، ولذلك فالموقف الثوري هو الصلة الأصلية والحق بالبدء لأن ذلك يكشف قانون البدء الخفي، ولا يمكن صياغة البدء الخفي بوساطة الموقف المحافظ». وأن التفكير في ثورة ضد المعتاد بحثاً عن اللامعتاد المأمول يتطلّب أبداً «التخلي عن العكازات والمخارج التي يقدّمها ما هو معتاد وما هو مألوف».
هكذا سار هيدغر نحو الأسئلة الأساسية للفلسفة بعيداً عن المعتاد مما يطُرح من أسئلة لكي يميز صنيعه الفلسفي فيقر بأن السؤال عن الحقيقة بصفته سؤالاً أساسياً، ويدخل إلى الأساسيات في معرض سؤال الحقيقة، ومنها السؤال بوصفه تمعناً تاريخياً، ومن ثم السؤال عن حقيقة «ماهويّة» الماهيّة، وبالتالي تأسيس الأساس بما هو تعليل لإدراك الماهيّة، ويختم بالتأكيد على ضرورة السؤال عن ماهيّة الحقيقة انطلاقاً من بدء تاريخ الحقيقة، وهو ما دعاه إلى زيارة أسلافه الفلاسفة القدماء.

أخيراً، لا أجد أهمية لكتاب (الأسئلة الأساسية للفلسفة) أقل من أهمية كتاب (الكينونة والزمان)، ولعل الفارق في كتاب الأسئلة.. هو نزوع هيدغر فيه إلى تجديد فهمه للفلسفة ولسؤال الفلسفة، وبث مفاهيم جديدة الصياغة والدلالة؛ بل أرى أن لغة هيدغر في هذا الكتاب/ المحاضرات أكثر مرونة وجمالاً من قبله (الكينونة والزمان) لسنة 1927، وراقت لي كثيراً هوامش المترجم الأستاذ إسماعيل المصدق بتأشير ذلك من بداية الترجمة حتى نهايتها، فجاء صنيعه الترجمي باهرا من الناحية العلمية والجمالية الأسلوبية.
ليس هذا فحسب؛ بل وعندما نقرأ (الكينونة والزمان) نخرج منه بأسئلة حائرين في البحث عن أجوبة لها، لكننا وعندما نقرأ متن (الأسئلة الأساسية للفلسفة) بالتزامن مع هوامش المترجم التوضيحية نجد أنفسنا نعتقد بأن هيدغر كان على دراسة بالغموض الذي يعاني منه القارئ لكتابه سنة 1927.