هل هناك عبقرية .. حقّاَ ..

جوزيف أبستاين 

ترجمة – عادل العامل

لقد عرفت عدداً من الفائزين بجائزة نوبل في فروع مختلفة من الثقافة، وكانوا أذكياء فعلاً وبارعين في تخصصهم الذي نالوا الجائزة لإبداعهم فيه، لكنهم لم يكونوا متأثرين على نحوٍ كافٍ بأسرار الحياة، كما أعتقد. إضافةً إلى إشكالات استحقاق الواحد لجائزة نوبل وغيرها، كما هو معروف.
و يمكنني القول، بالتالي، إن العبقري شخص نادر الوجود. فقد كان شوبنهاور، الذي يُعتقَد بأنه عبقري، واحداً في مئة مليون. وربما كان أكثر الفلاسفة تشاؤماً في هذا العالم، إن لم يكن في غيره أيضاً، متفائلاً. فقد كتب شوبنهاور، وهو يميّز بين رجل المعرفة learning والعبقري، قائلاً: « إن رجل المعرفة شخص تعلَّم قدراً كبيراً؛ أما رجل العبقرية، فواحد نتعلم منه شيئاً لم يتعلمه العبقري من أحد. «فالعبقري ليس مجرد شخص لامع، ماهر، بارع، وأحياناً مُبهر؛ إنه إعجازي، بمعنى أن وجوده لا يمكن أن تتنبأ به، أو تفسره، أو تعلّله قوانين طبيعية أو دراسة علمية. وربما كانت تعريفات العبقري أكبر من العدد الفعلي للعباقرة الحقيقيين الذين وُجدوا على الأرض. وتعريفي الخاص: سواء كان المرء عبقرياً في الفكر، أو الفن، أو العلم، أو السياسة، فإن العبقري هو مَن يغيّر الطريقة التي نفكر أو نسمع أو نرى بها العالم.
ولقد شهدت كلمة عبقري، مثل كثيرٍ غيرها (نجم، أيقونة، خرافي)، الكثير من التضخيم في العقود الأخيرة. فنجدها تُطلق على لاعبي كرة القدم أو البيسبول و المغنِّين، وكذلك العاملين في الشركات الاستثمارية والطهاة الناجحين. وقد أعلن محررو Esquire في عام 1999 حين تولوا قضيةً مكرسة للموضوع « إننا محظوظون لكوننا نعيش في عصر العبقرية «. وتضمنت قائمة مرشحيهم للعبقرية، من بين آخرين، الممثل ليوناردو ديكابريو، لاعب كرة السلة ألِن آيفرسون، المصمم توم فورد، العلاّمة في السياسة الخارجية فريد زكريا، الطاهي توماس كيلَر، عالم الكومبيوتر بيل جوي، وجيف بيزوس من موقع أمازون. ومهما كان الواحد من هؤلاء، بارعاً، ماهراً، موهوباً، مخادعاً، ناجحاً بشكل هائل، فإن أحداً منهم لم يكن عبقرياً، ولا حتى قريباً من ذلك.
والسؤال الأول المتعلق بالعبقرية، بالمعنى الجذري، سؤال وجودي: هل حقاً للعبقرية وجود؟ فبالرغم من أن فريدريك نيتشه هو نفسه قد أعجب سابقاً بما اعتبره عبقرية الموسيقار الألماني ريتشارد فاكنر ( 1813 ــ 1883 )، فإنه لم يكن في كتاباته الأخيرة يرى ذلك، مشيراً في كتابه ( آخر الدفاتر Late Notebooks ) إلى خرافة قرننا ( الـتاسع عشر )، وهي الاعتقاد الخرافي بالعبقرية. « وكتب في (Human, All Too Human ) : « لأننا نحسن الظن بأنفسنا، ولا نقدر أن نعمل مع هذا تخطيطاً للوحةٍ من لوحات رفائيل أو مشهداً يشبه واحداً في مسرحية لشكسبير، فإننا نُقنع أنفسنا بأن القدرة على فعل ذلك شيء عجيب للغاية تماماً، حادثٌ غير مألوف تماماً، أو أن ذلك، إنْ كان لدينا حس ديني، نعمة من السماء. « وكان العبقري، في العلم أو الفن، لدى نيتشه، ليس بالأقل إعجازاً ولو فقط لأنه لم يوجد في الحقيقة و الواقع.
وكان نيتشه يرى أن الإيمان بالعبقرية، إلى جنب كونه غير منطقي أو عقلاني عموماً، شيء خطير للغاية على أولئك الذين يصل بهم الأمر حد الإيمان بعبقريتهم هم. ويستشهد، كحالةٍ في هذا الإطار، بنابليون الذي تحوَّل يقينه بعبقريته « إلى قَدَرية جنونية تقريباً، سلبت منه عينه النفّاذة السريعة، وأصبحت سبباً في سقوطه». ولم يوقف تشكيك نيتشه هذا في عبادة العبقرية من تكوّنها هنا وهناك من حوله، مع وجود الكثير من الكهنة المساعدين على ذلك بالأسلوب الألماني المتفق عليه، حتى قبل أن يموت.
وهناك حاجة إلى التمييز بين العبقرية والموهبة. « فالموهبة هي مثل قيام رجل الرماية بإصابة هدفٍ لا يستطيع آخرون الوصول إليه، أما العبقرية فهي مثل قيام رجل الرماية بإصابة هدف لا يستطيع آخرون رؤيته»، كما قال شوبنهاور. و الموهبة وحدها لا يمكنها أن تأمل في منافسة العبقرية، لكن ولا العبقرية يمكنها أن تستغني عن الموهبة. «فالموهبة من دون العبقرية ليست بالشيء الكثير، لكن العبقرية من دون موهبة لا شيء»، كما كتب الشاعر الفرنسي بول فاليري : فأنا في الأيام الطيبة موهوب. أما شكسبير، فكان عبقرياً في كل يوم!
إن مَن هو عبقري حقيقي ومَن هو غير ذلك مسألة مطروحة للنقاش على الدوام. ودانتي، وشكسبير، وتولستوي على معظم القوائم. وكذلك الحال بالنسبة لهومر، سقراط، أفلاطون، وأرسطو، بين القدماء. ويمكن القول إن باخ، وبيتهوفن، وموزارت هم العباقرة الموسيقيون بلا جدال. و في الفن البصري هناك ليوناردو دا فنشي، و مايكل أنجلو، ورافائيل. مثلما أن في العلم أقليديس، وجالينوس، وغاليلو، وكيبلر، ونيوتن، ودارون. وفي السياسة بيركليس، والأسكندر العظيم، ويوليوس وأغسطس قيصر، ونابليون، وونستون تشرشل، والمهاتما غاندي الذين يستحقون ذلك، مع كون لينين، وهتلر، وستالين، وماوتسي تونغ على الجانب الآخر.
ويمكن أن يضاف لهذا الخليط عباقرة ثانويون، وهم أولئك الذين، مع تألقهم، لم يؤثّروا في العالم بالطريقة الأساسية كما فعل العباقرة الأولون : و منهم ديكارت، وباسكال، وسبينوزا، وكانت، و رامبرانت، وربما بيكاسو، وهايدن، وشوبرت، ودوستويفسكي، وديكنز.
ومع أسماءٍ مثل كارل ماركس وسيغموند فرويد، ندخل المياه المعتمة للعباقرة الذين ربما يُعتبرون اليوم المرادف الفكري للمسيح الزائف. فقد جعل ماركس وفرويد الناس يرون إلى العالم بطريقة أكثر اختلافاً بكثير عما سبق، لكننا نعلم الآن أنهما جعلا هؤلاء الناس يرونه على نحوٍ زائف. و ما عاد معظم الناس يؤمنون الآن بالنضال الطبقي و لا بعقدة أوديب. وقد انتهت صلاحية ماركس وفرويد للعبقرية، في الواقع.
وإذا اعتقدتَ بأنك عبقري، فإنك على الأرجح لستَ كذلك. وقد حُكي أن أوسكار وايلد قال لموظف الجمارك على جزيرة أيليس حين زار أميركا عام 1882 : «ليس لدي ما أعلن عنه غير عبقريتي» و كانت غيرترود شتاين(1) تصرّح بأن اليهود أنجبوا ثلاثة عباقرة فقط، يسوع المسيح، و سبينوزا، و هي. و في كتابها (السيرة الذاتية لأليس ب. توكلاس) تجعل الآنسة توكلاس تقول إنها قابلت ثلاثة عباقرة في حياتها، ألفريد نورث هوايهيد، بابلو بيكاسو، وغيرترود شتاين. ولم يكن وايلد ولا شتاين يشبهان العبقري في شيء. و لم تكن تلك العبقرية التي لديهما بشكل رئيس سوى من أجل التسويق للذات.
ويستشهد معظم الناس بألبرت آينشتاين باعتباره العبقري الحديث الأخير، وقد يضيف إليه المهتمون بالفلسفة الاحترافية الفيلسوف لودفيغ ويتغنشتاين(2). والاثنان لديهما إغراء إضافي من خلال كونهما إلى حدٍ ما من البلهاء goofy 3، و هو ما يتفق والنظرة الحديثة إلى العبقري، كما يبدو. ففي فترة أسبق، لم يكن يُنظر إلى العباقرة كبلهاء وإنما كأصحاب أطوار غريبة إن لم يكن كمجانين. فقد كانت سنوات نيتشه الأخيرة يغلفها الخبَل، الذي عزّز سلطته، كما يظهر. وكان أول عبقري معترف به في العالم، سقراط، غريباً من نواحٍ كثيرة. فقد كان، مع قبحه الشديد، و قواه المذهلة في التركيز، غير مكترث كلياً بشرفٍ، أو ثروة، أو حتى بوسائل الراحة المادية، وكان يخاطر بحياته في القتال، ويختار أن يقضي أيامه في النقاش والتأكيد على أنه لا يعرف أي شيء مبيّناً خلال ذلك أن محاوريه يعرفون أقل منه حتى ، و تقبّل أخيراً قرار الجمعية الأثينية بأنه عدو الدولة وتناول السم عن رغبة منه.
وكان آينشتاين، يمضي في شوارع برنستون، بكنزته الفضفاضة، وشعره المُشعث وشاربه الكث وبلا جوارب، وكأنه ليس أكثر من الأخ الخامس في عائلة ماركس (4). أما الفيلسوف ويتغنشتاين، وهو سليل أسرة من فيينا ثرية وعصبية جداً، فقد بدّد ثروته الشخصية الكبيرة واحتجب في عقاب بدني حين راح يعلّم الأطفال الصغار في النمسا. وكان يهودياً، لوطياً، وحاد الطبع، وقد وصفه بيرتراند رسل جازماً بأنه «أكمل مثال عرفتُه للعبقري المتخيَّل تقليدياً؛ انفعالي، عميق، شديد، ومهيمن»

* جوزيف أبستاين Joseph Epstein كاتب مقالات وقصص قصيرة ومحرر صحفي أميركي. والمقال في الأصل بعنوان I Dream of Genius.
(1)غيرترود شتاين ( 1874 ــ 1946 ) : أديبة و ناقدة أميركية من أصل ألماني.
(2) لودفيغ وتغنشتاين ( 1889 ــ 1951 ) : نمساوي، واحد من أكبر فلاسفة القرن العشرين.
(3)ويقصد بهم مَن نصفهم في العراق تقريباً بأنهم من أهل الله أو الذين «على نيّاتهم «، وليس بمعنى الحماقة أو العته.
(4)الإخوة ماركس : عائلة سينمائية كوميدية أمريكية اشتهرت في الثلاثينيات.