هوغو .. مات المؤلف عاش المؤلف

عواد ناصر

ظل العريف محسن غ. يحمل رواية ڤكتور هوغو «البؤساء» طيلة السنة الدراسية حتى تهرأت أوراق الكتاب وغلافه، عندما كنّا طلبة دراسة إعدادية في الثانوية الجعفرية المسائية في مدينة «الثورة».
أثار ذلك، عدا عطفي على ذلك العريف الكسول، أثار فضولي فحصلت على نسخة منها، بترجمتها العربية طبعاً، لأقرأها بشغف كبير، حيث كانت تستهويني الروايات أكثر من الشعر، وما زالت، خصوصاً تلك الكتب التي شكلت وعيي المبكر عند النظر إلى المهمشين من أبناء مدينتي الفقيرة تلك، وأنا أحدهم حتى اليوم.
وإذ دخلت لندن، هارباً من دولة العرفاء الكيمياويين عام 1992، تسكعت في ساحة الـ «پيكاديللي» وإذا بي أمام إعلان ضخم عن مسرحية موسيقية وباسم «البؤساء» باللغة الفرنسية (Les Miserables)!
ظلت هذه الـ (Les Miserables) تواجهني، كقدر ملحاح، مثل شمس إنگليزية خجولة أو قمر لندني فاتر أو حافلة حمراء بطابقين، كلما ذهبت إلى مركز لندن وحتى اليوم، وهذا يعني أن عرض المسرحية مستمر منذ عام 1992! ولا أدري، حقاً، متى بدأ عرضها بالضبط، قبل عام أو عامين أو خمسة أعوام أم أكثر قبل ذاك العام.
كارل ماركس انتقد هوغو في كراس شهير له هو «الثامن عشر من پرومير» في فضحه لصدام حسين پاريس، ناپليون الثالث، لأنه سخر من هذا الانقلابي المسلح فعظّم من شأنه وكان يقصد تصغيره:
«أما فكتور هوغو فهو يقتصر على حملات لاذعة وبارعة النكتة ضد ناشر الانقلاب المسؤول. والحادث نفسه يبدو في مؤلفه كأنه صاعقة في سماء صافية. وهو لا يرى فيه سوى عمل عنيف قام به فرد واحد. إنه لا يلاحظ أنه يعظم من شأن هذا الفرد، بدلاً من أن يصغره، بما نسب إليه من قوة مبادرة شخصية ليس لها نظير في تاريخ العالم. أما أنا فإني أثبت، على النقيض، كيف أن الصراع الطبقي في فرنسا قد أوجد الظروف والعلاقات التي مكنت شخصاً سخيفاً متوسط المواهب من أن يؤدي دور بطل».
مواطنه الفرنسي، لاحقاً، جون كوكتو الفنان متعدد المواهب وصف هوغو بقوله: «ڤكتور هوغو مجنون لأنه اعتقد بأنه ڤكتور هوغو».
يلخص هوتفيل هاوس (منتصف القرن التاسع عشر) بسطور قليلة بقوله: «ما دام ثمة هلاك اجتماعي، بسبب من القانون أو العرف، يخلق ألواناً من الجحيم على الأرض، ما دامت مشكلات العصر الثلاث: الحط من قدر الرجل باستغلال جهده، وتحطيم كرامة المرأة بالجوع، وتـقـزيم الطفل بالجهل، لم تحل بعد، ما دام الاختناق الاجتماعي لا يزال ممكناً في بعض البقاع، وبكلمة أعم، ما دام على ظهر البسيطة جهل وبؤس، تكون هناك حاجة إلى كتب من هذا النوع».
ظلت قناعتي بأن هوغو من بين طليعة أولئك الكتاب الذين كتبوا على هدي ضمائرهم الحية وهم يلقون على البؤس من حولهم نظرة نقد قصوى وإحساس حاد بالعدالة.
هوغو، نفسه، قال معرّفاً الضمير: «هو حضور الله في روح الإنسان».
«البؤساء» و «أحدب نوتردام» هما أشهر روايتين لهوغو رغم أنه كتب حوالي خمسين كتاباً، بين الشعر والرواية، على أن العالم العربي هو أفقر عالم على وجه البسيطة في الترجمة تواصلاً مع ثقافات العالم، فلا يعرف له القارئ العربي غير هاتين الروايتين، وربما ثلاثاً.
يذكر ماكس فيلدمان، وهو كاتب بريطاني، أن المردود المالي الذي حصل عليه هوغو إثر نشر روايته «البؤساء» بلغ ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، وهو مبلغ ضخم حتى عند القياس بأسعار عملات اليوم! وأن هذا المردود لم يجنه أي كاتب في العالم أبداً.
هوغو، حسب رأيي، هو أحد عباقرة الكتابة العابرة للآيديولوجيات، رغم أن ليس من نص بلا آيديولوجيا، إذا يخبئ كل نص آيديولوجيته في طبقة ما تحت طبقاته، وأفضل آيديولوجيا تكشف معاناة الناس وتضيء أمامهم سبل الأمل والتغيير هي: الضمير الذي يحل في روح الكاتب كالله.
هكذا عاش المؤلف وهكذا مات المؤلف الذي لن يموت لأنه أحد النادرين في التاريخ الذين تَرَكُوا للناس ما ينفع الناس.