هيغل والإسلام: ذروة الروحانية الشرقية 4

حسين هنداوي

يرى هيغل “ان الدين الاسلامي هو دين روحاني مثل الدين اليهودي لكن مضمون الاسلام يطابق مضمون الدين المسيحي، لأن فكرة الله الاسلامية تناظر في تطورها فكرة الله المسيحية”. فماذا يجب ان نفهم من هذا القول؟

 

باعتبارها ذروة الروحانية الشرقية، تبدو الروحانية الاسلامية لدى هيغل بمثابة تطور كمي- نوعي للروحانية اليهودية والنقيض المطلق للروحانية المسيحية “في صيغتها البروتستانتية” التي هي بالنسبة لهيغل المجسد الاكثر اكتمالاً للحقيقة الالهية والوعي الراقي للعلاقة بين الذات الالهية والذات الانسانية. ان علاقة الاستمرارية بين الروحانية اليهودية والروحانية الاسلامية يحددها هيغل على الشكل التالي:
ان فكرة الله الواحد الاحد في اليهودية تمثل تقدماً هائلاً يحققه الوعي اليهودي على جميع مراحل الوعي الشرقي. فالاله الذي يبدو متجسداً بالامبراطور في الصين وبأعلى هرم الطبقات في الهند وبالنار في المجوسية، يفارق الطبيعة المباشرة او الشيئية عبر قطيعة حاسمة ومطلقة مع الاشياء ليصبح إلهاً ذا محتوى روحي بحت لا يدرك بالحواس المجردة انما عبر التأمل والفكر فقط. علاوة على ذلك فهو يبدو للتأمل الواعي كذات حرة سامية ومريدة. لكن ما ينقص الوعي اليهودي هذا هو سلبية تصوره للعلاقة بين الانسان والذات الالهية. فانعدام فكرة الحياة بعد الموت في اليهودية من جهة وتجريد الانسان الملموس من أية قيمة ايجابية في الدنيا حيال “يهوه” من جهة ثانية تمثل جانبين سلبين في الوعي اليهودي لأن هذا الوعي يعجز عن ادراك حقيقة ان الاقرار بقيمة الذات الالهية تتطلب كشرط سبق الاقرار بقيمة الذات الانسانية، صحيح ان الشعب اليهودي يجد قيمة وقناعة بفكرة كونه “شعب مختار” من قبل الله، الا ان هذه الحقيقة هي قيمة وهمية متخيلة فحسب. وعلاوة على ذلك فان القول بوجود شعب مختار من قبل الله ينطوي بحد ذاته على تجريد للذات الانسانية من قيمتها الفعلية لان فكرة الشعب المختار تحصر هذه القيمة بمجموعة من الناس فقط (أي اليهود) في حين ان الحقيقة الالهية المطلقة لا تعرف هذا التعبير. ولذلك فان المسيحية والاسلام يمثلان تقدماً هائلاً على اليهودية بالغائهما فكرة الشعب المختار واقرار مبدأ المساواة بين جميع الشعوب والافراد في ما يتعلق بامكانية الاتحاد الروحي مع الله واستلام حقيقته.
لكن هذا التطور الذي تحققه الديانتان المسيحية والاسلامية يأخذ اتجاهاً متضاداً بالنسبة لاحدهما الآخر. فقول المسيحية بمبدأ الاتحاد بين الله والانسان عبر فكرة التثليث “الاب والابن وروح القدس” وبمبدأ نزول الابن الى الارض للتضحية من اجل الانسان، يتضمن حسب التفسير الهيغلي مفهوماً عميق الدلالة على ايجابية قيمة الانسان ضمن هذا الاتحاد. وهذا ما تؤكده نصوص الكتاب المقدس الاخرى القائلة مثلاً “بان الله خلق الانسان على صورته كمثله” وغيرها. اذا ن مجموع هذه المبادئ ينعكس في الدولة التي تخرج من المسيحية جاعلاً منها دولة عدالة وموازنة بين الذات الانسانية والذات الجماعية ودولة ديمقراطية وحقوق. وينعكس في الفن والفلسفة وغيرها من العطاءات الروحية الملموسة بجعل الاهتمام بالانسان وتجسيد قيمته المذكورة هدفاً مركزياً لها ومحوراً لانشطتها وتأملاتها.
اما في الاسلام فان فكرة القول بالمساواة المطلقة للبشر لا تقترن بفكرة الاتحاد بين الله والانسان حسب هيغل. انما بفكرة الانفصال بينهما. وهذا الانفصال مؤسس في الجوهر على مبدأ الغاء أية قيمة للانسان الملموس امام القيمة المطلقة للذات الالهية وهذه الفكرة يعبر عنها هيغل كما يلي:
“ان الاسلام يكره ويحتقر كل ما هو ملموس. فالله هو واحد مطلق بشكل لا يبقي فيه للانسان أي هدف لذاته وأية قيمة خاصة”. ويضيف هيغل: “ان الهدف الذي يسعى له الاسلام هو هدف ذهني بحت لذلك فهو لا يسمح بأي تصوير او تمثيل لله”. هذا الهدف الذهني البحت يقود الوعي الاسلامي الى نوع من العدمية والشعور الذاتي باللاقيمة وكذلك الشعور بضرورة احتقار وتدمير كل ما هو ذو قيمة من الموجودات الملموسة لان كل شيء يجب ان يفقد قيمته امام عظمة ومطلقية القيمة الالهية.
وهذا التوجه يتجسد عملياً حسب هيغل، بشدة التعصب الاسلامي الى درجة انه يعتبر الاسلام بمثابة دين التعصب. وهو يعبر عن كل هذه الافكار بالنص التالي لهيغل: “ان السمات الاساسية للاسلام تتضمن ما يلي: يجب ان لا يزدهر شيء في الحياة الواقعية وان كل ما هو فاعل وحي يتجه بكل طاقاته نحو اللانهائي البعيد وان عبادة الاله الواحد يصبح الرابطة الوحيدة التي يجب ان توحد جميع المؤمنين. وفي مجرى التوجه نحو هذا اللانهائي البعيد يختفي كل حاجز وكل تمايز بين الامم والطبقات حيث لا توجد أية قيمة للامتيازات العرقية او الامتيازات السياسية بالولادة او الملكية والثروات. وحده الانسان المؤمن يمتلك قيمة خاصة. وهذه القيمة متأتية من فعل عبادة الله والايمان به والصوم والتخلص من الرغبات الجسدية الملموسة الخاصة. لكن جميع هذه الاوامر تظل بسيطة اذ ان الجدارة العليا للمؤمن هي الموت في سبيل الايمان والذي يسقط في المعركة من اجل الله يضمن الجنة بشكل اكيد”.
وضمن نفس السياق يضيف هيغل في مكان اخر قائلاً: “بالنسبة لمحمد وحدهم المؤمنون يؤخذون بنظر الاعتبار. وهذا الموقف لا يتأتى من موقف يقوم على النظرة المغلقة بل يقوم على التعصب. لان العلاقة القومية اي العلاقة النابعة عن الرابطة العائلية الطبيعية “التي نجدها في اليهودية عبر فكرة آل ابراهيم واسحق ويعقوب” والعلاقة النابعة عن رابطة الانتماء الى بلد محدد، تظل تسمح ببعض المجال”.
وعلى اساس ذلك يستنتج هيغل “ان الدين الاسلامي هو دين تعصب في الجوهر” ، وهذا التعصب “هو تعصب هداية لاعتناق الاسلام” ، لأن الخوف من الله هو الذي يسيطر على المؤمن، وهذا الاستنتاج هو الذي سيستخدمه هيغل لتفسير الفتوحات العربية الاسلامية على اساس انها اعمال تدمير وتخريب. بكلمة اخرى ان التعصب لله ونشر الايمان به وتعميم اعتناق الدين الاسلامي تجعل المسلم يتجه كلياً وبكل طاقاته للتجرد من كل ما هو مصالح مادية او هدف ذاتي من جهة ولاخضاع كل ما هو خارجه ايضاً. ولهذا فشخصية المؤمن المسلم تبدو مزدوجة متناقضة بنظر هيغل فهو نبيل لا نظير له في النبل من جهة ومدمر لا مثيل له في حب الدمار من جهة اخرى. اذ يقول هيغل “ان المسلم قادر على اظهار اسمى درجات النبل والسمو. وهذا السمو المجرد من أية مصالح تافهة ينتج جميع الفضائل الدالة على العظمة الروحية والبطولة يبدو معها المسلم حراً بشكل لا مثيل له في النبل والكرم والشجاعة والحكمة. لكنه عندما يستسلم لمصالحه الذاتية لا يتردد ان يكون فظاً مخادعاً وقادراً على كافة البشاعات والفضائع”.
وهذا المنظور هو الذي قاد هيغل الى اظهار اعجاباً واحتراماً شديدين حيال المتصوفة المسلمين من جهة وادانة صريحة للفتوحات الاسلامية وللامبراطورية العثمانية من جهة اخرى.
واضح اذن ان هيغل ظل في جميع هذه الاحكام منحازاً كلياً لثقافته المسيحية ونظرتها التقليدية المعادية للاسلام. ولذلك فان جميع هذه الافكار تظل عديمة الاهمية ونقطة ضعف كبيرة في الفلسفة الهيغلية الخاصة بالتاريخ وبالدين. فهو ودون ان يكلف نفسه جهد فهم الاسلام بشكل عميق يسمح لنفسه باطلاق مختلف الاحكام الاعتباطية ضده.