والدة فرانكنشتاين

بقلم: اليزابيث لوري

.ترجمة : محمد الفشتكي

في معرض تقديمها للطبعة الثالثة من «فرانكنشتاين» عام 1831 وهي الرائعة القوطية التي كتبتها عندما كانت تبلغ التاسعة عشرة من العمر تحاول ماري شيلي أن تجيب عن سؤالٍ مهم: «كيف أتى إلى تفكيري وتوسعت بهذه الفكرة الفظيعة حين كنت فتاةً صغيرة؟» كانت وعشيقها الذي أصبح لاحقاً زوجها الشاعر بيرسي بيش شيلي يقيمان في منطقة بحيرة جنيف مع اللورد بايرون وطبيبه جون بوليدوري، وفي ليلةٍ ممطرةٍ خلصوا إلى منافسةٍ لمعرفة من الذي يمكنه كتابة أفضل قصة رعب وبالتأكيد فازت ماري بحكايتها حول عالمٍ تخطّى الحدود ومخلوقه الذي تستحيل السيطرة عليه.

بالنظر إلى الماضي فإنَّ البالغة من العمر أربعةً وثلاثين عاماً تتفادى بعنايةٍ ما نريد معرفته حقاً: كيف تمكنت هذه المراهقة عديمة الخبرة التي لم تنشر أي شيءٍ من قبل أن تخلق أكثر قصة رعبٍ باقيةٍ على مر الزمن؟ كيف يمكن لشخصٍ مستترٍ إلى حدٍ كبيرٍ في ظاهر الأمر أن يستحضر نموذجاً أدبياً أصلياً يتحدث بمباشريةٍ متعمقةٍ إلى «المخاوف الغامضة في طبيعتنا»؟ كما ارتأت شيلي. ولماذا لم تتمكن من مجاراة ذلك النجاح الأول مرةً أخرى.
عند وفاة ماري شيلي عام 1851 عن عمرٍ يناهز الثالثة والخمسين كانت أرملةً لمدة ثلاثة عقود كرّست نفسها فيها لجمع مؤلفات زوجها النثرية والشعرية بينما تربي طفلهما الباقي على قيد الحياة.
بدأت شهرة ماري مع سيرتها الذاتية التي كتبتها موريل سبارك عام 1951 حيث صرّحت سبارك أن رواية «فرانكنشتاين» كانت رائعة «ليس بصرف النظر عن صبا ماري، ولكن بسبب ذلك فإن فرانكنشتاين هي أفضل روايةٍ لـ «ماري شيلي»، لأنَّها في ذلك العمر لم تكن بعد على درايةٍ جيدةٍ بمزاجها الخاص».
كانت السير الذاتية اللاحقة من نوعين: الأول مثل كتاب آن ك. ميللور «ماري شيلي: حياتها، خيالها، وحوشها» عام 1988 وكتاب ميراندا سيمور «ماري شيلي» عام 2000 حيث تحاول تلك الكتب أن تثير حماستنا لنتاجات ماري بعد «فرانكنشتاين»، وهناك الثاني مثل كتاب ديزي هاي «الرومانسيون الشباب» عام 2010 الذي يعدّ الفترة التي تمثل بداية حياة ماري المهنية ككاتبة والذي يصادف أنها تميِّز فرارها المثير مع عشيقها بيرسي شيلي على أنها الفترة الأكثر أهمية وهناك أيضاً دراسة الشاعرة والأكاديمية البريطانية فيونا سامبسون «في البحث عن ماري شيلي» التي تتمحور بشكلٍ حصري حول فترة صبا موضوعها.
تؤكد سامبسون أنَّ «الأعوام الأخيرة من الحياة – حياة أي شخص – لا تبني شخصية ولا تؤثر في مستقبل». إنها تريد أن تخبرنا عن الفضائح الجنسية، الليالي التي لا تنسى في الفيلات السويسرية، وما إلى ذلك، وقد فعلت بطريقةٍ انتقائيةٍ لا ترحم.
إنَّ أي شخصٍ يبحث عن روايةٍ متَّزنةٍ لحياة ماري شيلي المضطربة يجب أن يبدأ مع ميللور أو سيمور وإن كنت غيوراً على موضوع الكتاب فإنه لا يمكن تحسين نتاج سامبسون.
تلاحق سامبسون وبكل صدقٍ فضولنا حول المحفّزات النفسية وراء رواية «فرانكنشتاين» حيث تقدّم لنا الرواية صورةً مخيفةً عن أهوال الولادة وفشل الأهداف الفتية وبحلول وقت كتابة ماري للرواية كانت لها تجربة مريرة مع الأمر الأول وإلمامٌ سريع بالثاني.
والداها هما وليام غودوين، الفيلسوف الفوضوي والمدافعة عن حقوق المرأة ماري وولستونكرافت. في غضون أحد عشر يوماً من ولادة ماري في لندن عام 1797 كانت وولستونكرافت قد فارقت الحياة جرّاء حمى النفاس تاركة غودوين ليقوم بتربية ماري واختها غير الشقيقة، فإنَّي (ابنة وولستونكرافت). تعطي سامبسون أهميةً كبيرةً لأثر هذه الفجيعة على ماري التي سوف تستمر في فقدان أربعةٍ من أطفالها الخمسة وبذلك تصبح عملية الحمل والولادة مصدر تعذيبٍ لـها. بدأت بكتابة «فرانكنشتاين» بعد أن أنجبت في العام السابق وليداً سابقاً لأوانه لم ينج وبعد خمسة أشهرٍ فقط من ولادة ابنها الأكبر، ويليام وتزامنت كتابتها مع حملٍ ثالث عانت الخوف خلاله. بعد وصفها المتألم لصراع فيكتور فرانكنشتاين من أجل «بث شرارة الحياة في الشيء الهامد الذي يقبع عندي قدمي»، وعندما نقرأ «حركةً تشنجيةً هيجت أطرافه» فمن الصعب ألا نتفق مع سامبسون أن التفاصيل تبدو «مناسبةً أكثر لفراش الموت منه للولادة».
في حال وكما أشارت آن ميللور كانت رواية «فرانكنشتاين» توضح «ربما لأول مرةٍ في الأدب الغربي أكثر آلام الحمل قوةً «فإنَّها تبحث أيضاً في العواقب الوخيمة للتربية السيئة، كان غودوين والداً تزوج ثانيةً عندما كانت ماري بعمر الرابعة من السيدة كليرمونت وهي امرأةٌ سببت لماري الشعور بالتهميش».
تظهر سامبسون أن ماري اليافعة كانت تعاني في بعض الأحيان من ذراعٍ متورمةٍ: «قاسية ضخمة بالضمادة»، كانت ذراعها تشبه «طرفاً مشوّهاً مخيّطاً من جسدٍ آخر إلى جسدها». يتم توجيه استياء ماري الذاتي وتوقها للحب الأبوي في نداء الوحش المكروب إلى صانعه من أجل التعاطف والرعاية وهو نداءٌ يرفضه فيكتور فرانكنشتاين.
في وقت ظهور بيرسي شيلي كانت هي بعمر السادسة عشرة وهو يبلغ واحداً وعشرين عاماً يناصر الحب الحر. كان متزوجاً وله طفل وآخر على الطريق وعندما هرب مع عشيقته ماري إلى أوروبا لحقت وصمة عارٍ بعائلة غودوين أفسدت الآفاق المستقبلية لأخت ماري غير الشقيقة فاني التي أخذت جرعةً مميتةً من المخدر في أكتوبر عام 1816، وبعد شهرين انتحرت هارييت زوجة بيرسي بإغراق نفسها في نهر الـ سربنتين.
دخل عناده الجنوني في تصوير ماري للمهووس فيكتور فرانكنشتاين وتزوجا بعد موت هارييت وبعد أن فشلت هي في فهم التزامه لمشروع الحب الحر خاصته اضطرت إلى أن تقف موقف المتفرج بينما هو يلاحق العديد من النساء الأخريات.
لا تقلّل سامبسون من شأن خيانات بيرسي وتصوُّرها على أنها مؤلمة بشكلٍ قاسٍ بالنسبة لـ ماري وتلاحظ سامبسون أنه بالنسبة لـ ماري «فإن بيرسي لا بد وأن يعني حباً عظيماً سرمدياً وإلا فإن التضحيات التي قدمتها بالفعل سوف تكون بلا معنى» وسوف تشمل هذه التضحيات موت كلٍ من ابنها وليام وابنتها كلارا، اللذين سقطا صريعي حاجة والدهما الدائمة للسفر وفشله في الحصول على الرعاية الطبية المناسبة لهما.
لكن الأسوأ كان ما يزال في الطريق فقد ذهلت ماري عندما اكتشفت بعد موت بيرسي غرقاً في خليج سبتسيا عام 1822 بأنه جعل أصدقاءه يعتقدون باخفاقها تجاهه كزوجة «تماماً كما جعلها تعتقد قبل ثمانية أعوام بأن هارييت قد أخفقت تجاهه كزوجةٍ أيضاً». تجادل سامبسون أن ماري لم تفهم أبداً «أن قرارها بالفرار مع بيرسي قد يساء فهمه على أنه إطلاق عنانٍ للأهواء الشخصية بدلاً من أن يؤخذ بشكلٍ عاطفيٍ على أنه مبدأ أخلاقي»، لكن هذا التناقض يدحضه التعاطف المذنب الذي سوف تعبّر عنه لـ «هارييت المسكينة التي أعزو لها الكثير من أحزاني الجسام كتكفيرٍ طالب به القدر لموتها».
على الرغم من أن ماري شيلي لم تنتج لاحقاً أي شيءٍ يجاري «فرانكنشتاين» التي أشارت إليها بـ «ذريتي الفظيعة» فقد نجحت بلا شك في أن تكون والدةً محببة وملتزمة تدعم ابنها الوحيد المتبقي الذي يدعى أيضاً بيرسي عن طريق أعمالها الأدبية وجمع المال اللازم لرؤيته يرتاد المدرسة والجامعة ويرحب بزوجته في عائلتهما عندما يتزوج.