ولدنا في يوم واحد ..وفي كتابين

محمد خضير

تجمعني بالشاعر كاظم الحجاج صورٌ كثيرة، وأكثرُها وضوحاً هذه التي تشمَلُنا كلينا بقسمات مشتركة لا تخفى على العين الفاحصة. أولى هذه القسمات أو العلامات يشير الى أننا ولدنا في عام واحد، وربما في يوم واحد. وثانيتها أننا ننحدر من منشأ إجتماعي متشابه؛ هو ينحدر من أعلى شط العرب وأنا من جنوبه؛ لذا فإن طفولتينا هي طفولة النهر والنخل وبيوت الطين أو القصب. ثالثة العلامات أننا شُغفنا بحبّ الكلمة الحرة والموقف الانساني المنحاز للحقيقة التي لا تقبل الزيفَ او البهتان، وقد تعلّمنا هذه وتربّينا على أيدي معلّمين مدنيين صارمينَ، وحانينَ في الوقت نفسه. والرابعة أننا نحبّ شايَ الحطب، وعيونَ الزرازير، وخلاخيلَ الامهات، ودلالَ الزوجات. والخامسة أننا نحاول أن نطيح بالحواجز التي تفصل الشعرَ عن السرد. هو يحبّ أن يسرد بقصائده ما تعجز القصةُ عن تلخيصه وتكثيفه، بينما أحاول أنا _ من جانبي في الصورة_ أن أفصّل وأسهب في ما لا تقدر القصيدة على احتوائه وتفصيله. إلا أنه قد يذهب أحياناً الى تأليف الجداريات الشعرية ويرفعها احتجاجاً وتصريحاً واستباقاً لحوادث عصره؛ وهذا ما لا أقدر عليه _من جانبي_ حين أدفن رموزي في باطن الأرض لتتجذّر مواقفي وأغراضي السردية أو تسبت وتخنس وتتحلّل رويداً رويداً في تربة الأزمنة. كما أني لا أجاريه في سخريته وفصاحته وجهره تجاه الذلّ والاستعباد والقمع السياسي والاجتماعي، فهو سليل تلك الأرومة البصرية_ الجاحظية_ الحِجّاجية. وأنّى لأديبٍ من عصرنا مجاراته في هذا «الكار» النقديّ الصريح!
ماذا بقي من الصورة التي تجمعنا، نحن الاثنين، غير ما ذكرت؟
لعلّ هناك شيئاً ينبغي لي الإفصاحُ عنه، والافتخارُ بقوله، هو أنني سبقتُه لنيل جائزة صادق العلي، كما سبقه غيري لهذا الفوز، فلم يغَر أو يحسد أو يتعجّل الدور؛ ذلك أنّ الأدوار العظيمة والجليلة هي كلَّها من صُنعهِ هو وحده، ويجدر بنا أن نتلقّاها منه لا أن نعطيَه إياها. كيف لا وهو العفيفُ، المترفّع، الذي تحسب كفافَهُ غِنى، وعِفّته استغناءً عن فُتات الدنيا وزينتِها!
تحية لشريكٍ لا أنفكُّ عن شراكته، وصديقٍ لا أملّ من صحبته، وجديدٍ أطمع دوماً بقديمِ طبعِه وخُلُقِه.
والمجدُ للقصيدة ممهورةً بلقب الحِجّاج الشاعرِ كاظم.