.. ويكتب التاريخ على شاهد قبري

ضياف البراقّ

القصائد الهامدة، والأمكنة التي تخلو من الحرية، والأحلام الصغيرة.. كل هذه اللعنات المقرفة لا أطيقها بتاتاً. إنني كائن متمرد حتى على تلك المعاني البسيطة أو الأشياء التي لا تستحق أي تمرد. ما الذي أبقاني حيًّا طوال كل هذه الحروب القذرة التي تبدأ ولا تنتهي؟ التمرد. تمرّدي يا بلادي، تمرّدي من أجل الحياة. «إن أردتم الحياة، كونوا أحراراً»، هكذا كانت جدتي تقول لنا حين كنّا صغاراً. لم نكن نفهم نصيحة جدتي في حينها، ولكن حين كبرنا فهمنا ماذا كانت تعني بذلك: كانت تفتحُ لنا آفاقاً رحبة للعيش في شموخ وكبرياء.
لكن، ما الحرية؟ كل شيء! إنها الحب، كل الحب. متى نتحرّر يا أدونيس؟! (كم أحترم أدونيس! هذا الرجُل العبقري عنده مشروع حضاري، جديد، متكامل، عظيم!)
إنها الواحدة تمامًا بعد منتصف الليل.. أشعر بالقلق الشديد، وثمة حزنٌ لا يطاق؛ لستُ أعرف إلى أين أمضي!
أتساءل، الآن، والظلام يهزّني في الأعماق: لمَ يهرب المرء من الحزن؟ أليس الحزن هو من يجعلنا نثور على أنفسنا التائهة بكل صراحة ودون نفاق، وكذا، أيضًا، يجعلنا نثور على أحوالنا التعِسَة؟ أما السعادة «المُغْلَقَة» تجعلنا أغبياء، كما تُربِّينا على الأنانية والجمود في أحيان كثيرة. الحزن الذكي، الذي يخلو من اليأس، هو من يصنع الثورة.
بحزنٍ عميق أغلقتُ هذه النافذة التي تطلُّ على الحرب، وأخذتُ أسأل نفسي في يأسٍ مؤلم: لماذا أعيش؟ (يا له من سؤال خانق! صعب للغاية! لا أرى له أية نهاية!).
من جهة أخرى، أخذتُ، في خوفٍ شديد، في إغلاق كل نوافذ غرفتي الكئيبة، وإغلاق كل الأشياء التي تؤرّقني، وألغيتُ أيضًا كُلَّ أسئلة العصر المتصارعة داخل رأسي البائس.
ماذا أفعل الآن؟ أنا مُنهَكٌ جدًّا، غبائي يضيق بي، وطني ينهشني، ولا أقوى أبدًا على تشاؤمي الطائش من المستقبل العقيم! هلْ من أحد لينقذني من ضياعي هذا، هل من فكرة غير خاطئة أنجو بها منِّي، وهل التاريخ سيكتب على شاهد قبري:» العربي الذي وقع في بئر الخرافة». أجل، سيكتُب.
ما أخطر السير خارج التاريخ، أنا وبلادي نسير خارج التاريخ، ما أقسى العيش هنا!
لا تاريخ للأغبياء! التاريخ لا يصنعه إلا العقلاء، يصنعه الأحرار! لا وجود لي حتى الآن.
بعد ثانية من الاسترخاء الذهني، أشعِلُ سيجارتي الرديئة وأشاهد غلطتي الفادحة، أشاهدُ نهاية كل هذه السجون الحقيرة.
أتذكَّر (مظفر النواب) إذ يتنهّد ويصرُخُ: في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي!
أتذكَّر صديقي الشهيد يشتاق إليَّ،
أتذكَّرُ (درويش) إذ يتألم: سنصير شعبًا حين ننسى ما تقول لنا القبيلة!.. سنصير شعبًا إن أردنا!
أتذكَّرُ أيضًا: دموع الأطفال الجوعى، الأغاني التي تمضي إلى المقابر، النوافذ تتساقط صباح مساء، الريح تعصفُ بالأحلام الجميلة، الشوارع تدفنها المدافع بالجثث والخراب…، والمدارس إذ تضيق بالنازحين والخوف.
يعاودني هذا السؤال الخطير: لماذا أعيش؟
معه يعاودني القلق! أرى جِداراً قديماً على وشك السقوط، شعبًا يخرجُ من المقبرة، وأرى وطناً يتطهَّر من أمراض التاريخ..