يادنيا ياغرامي رواية المرح المر

باسم عبد الحميد حمودي

قليلة هي الروايات الساخرة عراقيا وعربيا وعالميا، ذلك أنَّ السخرية تعتمد الفطنة غير العادية للكاتب وقدرته على تحريك عملية (المفارقة) داخل الحدث وتحويل الصورة القاتمة إلى حركة إيجابية مملوءة بالسعادة.
وقد أوجد بعض النقاد الانكليز حديثا جائزة الوود هاوس عام 2000 للخيال الكوميدي لشعورهم بالحاجة إلى تغليب السعادة على الالم الذي تفيض به الروايات الحديثة. وكانت اخر جائزة منحتها لجنة الجائزة للمخرج الفرنسي جون لوي فورنييه عن روايته (أين تذهب يا بابا؟) وبطلاها صبيَّان معوَّقان يحار بهما والدهما في متوالية مشاهد شديدة العاطفة والامتلاء الروحي والسعادة الداخلية رغم قسوة الحياة.
في هذا العام امتنعت لجنة تحكيم جائزة الوود هاوس عن منح الجائزة لأيٍّ من المتقدمين لعدم قناعتها بصدقية الاعمال وتطابقها مع فلسفة الجائزة، وبذلك يظهر أن عملية الكتابة الكوميدية روائيا ليست عملية سهلة ولا قدرة لكل روائي على إنجازها.
عراقيا لم تتضح صورة الرواية المبنيَّة على سخرية العالم الذي تكتنفه، رغم أن السخرية نوع من الاداء المعرفي الواضح المعالم، في عدّة روايات عراقية سابقة لم تكن السخرية والشخصية المتألقة في أدائها على أساسه داخل العمل جزءاً مبنيَّاً كناتج عرضي اقتضته (حبكة الرواية) أو ظروفها الاجتماعية !
إنَّ رباعية شمران الياسري تحفل بالكثير من الشخصيات الساخرة والمرحة لكنَّها شخصيات ظهرت ضمن تيار روائي عام يختزن التيار الشعبي العام المقاوم لأداء السلطة على نحو يصوره الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه (على ضفاف السخرية الحزينة) وهو دراسة مستفيضة عن أبي كاطع ورباعيته.
إنَّ كتابات محمد شاكر السبع الروائية لا تخلو من نماذج مرحة وكذلك الاقاصيص المبكرة ليوسف متي وخلف شوقي الداودي في مجموعته (الفلقة) وسواها، بل إنَّ هناك الكثير من الكتّاب في صحافة العهد الملكي يتمتّعون بكتابة النص الابداعي الساخر مثل خالد الدرة وحبز بوز وسواهما لكنَّها نصوص قصيرة توضح موقفاً او تعالج حالة اجتماعية.
النص الروائي الذي نتابعه في هذه المداخلة للروائي الدكتور عائد خصباك رسمت فصوله على أساس المفارقة المرحة التي تدين موقفا من المواقف الحياتية التي يقوم بها البطل الاساس (هادي) بلغة ضاحكة تستوعب المفارقة وتذكيها وتوصلها إلى نهايتها الدرامية دون خلل او بناء متكلّف.
تعد شخصية (هادي) التي يقدّمها الروائي شخصية أساسية في كل الفصول؛ شخصية حليَّة الاهاب تتقن الكثير من التفاصيل المحلية للبيوت والشخوص ولكنّها تتطلع إلى مستوى اجتماعي أهم تسنده في محاولاته السيدة أم هادي التي تتّخذ سمة سانشو بانزا النسائية هذه المرة، فيما كانت شخصية (هادي) المرحة والواثقة من كشوفاتها وأحلامها تشكّل قرينا للسيد الاسباني الدون كيخوته ولكن بلا أحلام تتعلّق بالحبيبة المفترضة للسيد الونسو كيكانو (اسم الدّون الاساسي) السيدة دولثينا، فارسة أحلام الدّون المهذار الحالم، وهي (بطة) حينا وأخريات في أوقات أخرى.
السيد هادي هنا صاحب مغامرات ضاحكة فيها الخبيث وفيها الضّاج بالمتاهات، فهو في فصل الصحون الطائرة يتسلّم حملا وديعا من صاحب مطبعة معروف في الحي ليوصله إلى دار الرجل، لكن هذا الحمل يتحول – بقدرة هادي – إلى حذاء مفتخر بالابيض والاسود، وحين يعاتبه صاحب المطبعة على عدم وصول الحمل إلى داره يستطيع هادي إيهامه أنَّ صحونا طائرة قد اختطفت الحمل الوديع أمامه .
رواية (يا دنيا يا غرامي) ليست بهذه البساطة فهي مؤلَّفة من تسعة وأربعين فصلا قصيرا، تبدأ أحداثها بفصل (يا غراب ياغراب) يوم الانقلاب على الملكية وصراخ الاغاني بالثورة والانتصار الذي يختلط بانطلاق الطيور البيض المهاجرة مع صيحات أطفال المحلة:
يا غراب ياغراب
حاج علي غاب
بفلسين كمون
سبع رارنجات
وهادي يعارض الصغار بان الطيور بيضاء وليست سوداء ولكنَّهم يسخرون منه ويتركونه وحيداً الا من أنشودة عبد الحليم حافظ (انتصرنا).
كان هادي صبيَّاً مثلهم في الفصل الاول من الرواية التي تختم بالفصل 49 الذي يتولّى عرض المادة الروائية والتي تبدأ بمرض هادي بالحمّى واستلقائه وهو يستمع إلى نشرة الاخبار بالراديو حيث يحرّك مؤشره إلى عدة إذاعات يستمع منها إلى فريد الاطرش ومعارك نهر جاسم، وتنتهي بدخول الروائي ذاته كسارد مباشر في الفصل الاخير حيث يتولى (توصيف) حركة البطل الاساسي هادي في الفصل الذي حمل عنوان (ياغراب ياغراب.. حاج علي غاب) حيث يصطحب هادي الراديو معه وهو يستمع إلى فريد الاطرش وأخبار معارك نهر جاسم (كما في الفصل الاول) ثم ينتبه إلى أصوات الصغار في المحلة وهم ينشدون (ياغراب..ياغراب) ليرتدي ملابسه وخرج إليهم متابعا الطيور المهاجرة التي من أجلها ينشد الصغار .
هنا ينبت ريشٌ في جسم هادي وهو يتابع الطيور المهاجرة ثم ينبت جناحان له وهو يغادر الارض مع الطيور المهاجرة منطلقا في سماء مفتوحة.
كل الفصول الاخرى تصوّر مغامرات هادي داخل محلات الحلة مع اصدقائه الناقد عبد الجبار عباس والرسام الكاتب حامد الهيتي وشقيق المطرب سعدي الحلي وعشرات غيرهم من شباب ورجال الحلة دلس عليهم ودلسوا عليه في رحلة حياة ضاحكة ومريرة معا.
يقتاده رجل الامن لأنَّه لم يذكر القيادي جاسم الاسود بالخير ويطلق سراحه آخر وتفتنه وردة وبطة وعشرات الصبايا وتحركه أغاني الافلام وأصوات المطربين في حياة ضاجة حافلة لكنَّها لا تشبع نهم هادي للحياة حيث يرحل مع الطيور المهاجرة بعيدا.. ربما نحو حياة أفضل وأكثر صخبا.
(يا دنيا ياغرامي) رحلة حياة شاقة وممتعة معا جسَّدها عائد خصباك في رحلة روائية جديدة مختلفة التجربة والايقاع.