آرثر رامبو .. من التألق الشعري إلى التجارة والتشرّد!

ترجمة وإعداد / عادل العامل

في يوم من شتاء 1883، وعلى ظهر باخرة كانت تعود به من مرسيلية إلى ميناء عدن، شرع تاجر قهوة فرنسي يدعى ألفريد باردي في حديث مع مواطن كان قد التقاه على ظهر السفينة، وهو صحافي شاب اسمه بول بورد، يقول دانييل ميندلسون كاتب هذا المقال لمجلة (The New Yorker ). وبينما كان باردي يتحدث عن عمليته التجارية، التي كانت قاعدتها عدن، صادف أن ذكر اسم أحد المستخدَمين لديه، هو «رجل شاب لطيف، طويل، قليل الكلام «، كما وصفه فيما بعد. ودُهش بورد، وكان رد فعله نحو الاسم مشوباً بالذهول. ولم يكن ذلك في الكثيرٍ منه لأنه، للمصادفة الغريبة، كان يذهب أيام الصبا إلى المدرسة مع ذلك المستخدَم؛ وإنما لكونه قد افترض، بالأحرى، مثل فرنسيين كثيرين على اتصال مع الأدب المعاصر، أن ذلك الرجل الشاب قد مات. ودُهش باردي حين شرح له بورد أن ذلك المستخدَم الصموت كان له، قبل اثني عشر عاماً، ظهور أدبي «مذهل ومبكر» في باريس، ليختفي بعد ذلك، ليس غير. وحتى تلك اللحظة، لم يكن ذلك الشاب، بالنسبة لباردي ومن عرفه في وسطه ذاك، سوى تاجر شاب ذكي لديه كتب أنيقة. أما اليوم، فيرى كثيرون أنه مؤسّس للشعر الأوروبي الحديث. وكان اسم ذلك الشاب آرثر رامبو Arthur Rimbaud.
وما علمه باردي عن رامبو في ذلك اليوم، ما يزال كلَّ ما يعرفه معظم الناس عن الشاعر. فمن ناحيةٍ، كانت هناك الصنعة الأدبية الباهرة القصيرة الأمد: كانت كل أعمال رامبو المهمة مؤلفة على الأرجح بين عام 1870، حين لم يكن قد بلغ السادسة عشرة تماماً، وعام 1874، حين بلغ سن العشرين. ومن ناحية أخرى، كان هناك تخليه غير المتوقع عن الأدب لصالح حياة الصعلكة والتشرد التي مضت به في نهاية الأمر إلى عدن ثم إلى شرق أفريقيا، حيث بقيَ حتى قبل موته، متاجراً بالقهوة، والريش، وأخيراً بالبنادق، مكوّناً بهذا خلال ذلك مبلغاً جيداً من المال. والغموض الكبير الذي يظل ينتاب ويفزع المعجبين برامبو هو ذلك «التصرف المتّسم بنكران الذات» لديه، كما عبّر عنه هنري ميلر في دراسته الانقلابية عام 1946، «زمن الحشاشين The Time of the Assassins»، ذلك التصرف الذي « يميل الواحد إلى مقارنته … باطلاق القنبلة الذرية «!
ويمكن للمقارنة الزائدة الحد هذه أن تُسرّ رامبو، الذي كان يود بوضوح أن يتبخر ماضيه الشعري. فعندما عاد ألفريد باردي إلى عدن، متدفق الروح باكتشافه هذا، وجد، مفزوِعاً، أن الطفل العبقري السابق يرفض التحدث عن إبداعه الشعري، صارفاً النظر عنه باعتباره « سخيفاً، مضحكاً، ومثيراً للاشمئزاز .»
لقد كان تبرُّؤ رامبو من شعره يتّسم برفض التحدث عن إبداعه الشعري، صارفاً النظر عنه باعتباره « سخيفاً، مضحكاً، ومثيراً للاشمئزاز .» بالتهيّج كما كانت الحال مع تدفق موهبته فيما مضى، و ذلك أمر نمطي بالنسبة لرجلٍ تميّزت حياته وعمله الشعري بالتناقضات العنيفة. فقد كان تلميذاً سهل الانقياد، وحائزاً على الجوائز، يكتب كلاماً بذيئاً عن الذات الإلهية على الجدران في بلدته؛ ومتمرداً مراهقاً يسخر من أعراف البلدة الصغيرة، ليركض عائداً إلى مزرعة أمه بعد كل أزمة انفعالية؛ وفوضوياً فيما بعد يدعو في قصيدةٍ له إلى سقوط «الأباطرة، المستعمرين، الشعوب!» مع هذا قضى حياته الراشدة رأسمالياً متدفقاً بالنشاط يعمل في أفريقيا الكولونيالية؛ وكان الشاعر الذي حرّر الشعر الغنائي الفرنسي من موضوعات وأشكال القرن التاسع عشر المشدودة ــ من «لغة الفطرة السليمة»، وفقاً لتعبير بول فاليري ــ والذي أقر، مع ذلك، في أكثر نتاجه ثوريةً، بحبه « للصور العاطفية، … والحكايات الخرافية، وكتب الأطفال القصصية، والأوبرات القديمة، وألحانٍ ليس فيها أي فن.»
هذه المفارقات، والمشاعر المتناقضة بشكلٍ استثنائي من الإعجاب والفزع التي يمكن أن تستحضرها قصة رامبو، هي في مركز الغموض القوي التأثير الذي أغرى القرّاء من مارسيل بروست إلى باتي سمِث. وكان ذلك قد بدأ يُفتن الناس آنذاك منذ أن توفي الشاعر، في عام 1891. (مات، و هو في السابعة والثلاثين، من سرطان في الساق، بعد عودته إلى مزرعة أمه للمرة الأخيرة.) ولم يتوقف الإغراء، كما هو واضح من السيل الثابت للنتاج الرامبوي الذي ظهر على مدى العقد الماضي ــ ويتضمن، في سبيل المثال، ترجمةً جديدة لـ « إضاءات Illuminations «، انجزها الشاعر الأميركي المتميز جون أشبيري، و رواية جوهرية تكافح مع السؤال الكبير: لماذا توقف رامبو عن الكتابة؟
ويعتمد ذلك على رأي الواحد منا في الطبيعة البشرية. فإما أن كل شيء أو لا شيء على الاطلاق مما يتعلق بجذور رامبو الكئيبة هو الذي يفسّر ما حصل لاحقاً. فقد ولد الشاعر في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1854، في بلدة شارلفيل، قرب الحدود البلجيكية. وكان أبوه، فريدريك، برتبة كابتن في الجيش وقد قاتل في الجزائر. أما أمه، فيتالي كويف، فكانت ابنة متزمتة لمزارعين صلبين؛ لم يحدث أن أحدا، كما قيل فيما بعد، رآها تبتسم أبداً. وربما من المبالغة القول إن ذلك الزواج كان غير سعيد. ذلك أن الكابتن رامبو نادراً ما كان يحل في شارلفيل؛ وقد ولد كل واحد من أطفالهما الخمسة بعد تسعة أشهر من كل إجازة من إجازاته القصيرة. وحين جاء رامبو خامساً، غادر أبوه ليلتحق بالفوج ولم يعد أبداً. وتتردد ذكرى الهجر كثيراً في نتاج رامبو، الذي غالباً ما كان يستحضر سعادة الطفولة المفقودة، ويشير عَرَضاً إلى أزمة أسرته فيما يبدو. وقد اختارت فيتالي، الكاثوليكية الورعة، أن تدعو نفسها «الأرملة رامبو»، وكرّست نفسها بتصميمٍ عابس لتعليم أطفالها.
وفي المدرسة، كان رامبو نجماً، يتفوق بانتظام في امتحانات الجوائز المخيفة. (وكان أحد الامتحانات يطلب من الطلاب أن يُنتجوا قصيدة لاتينية سليمة من ناحية الوزن في موضوعة « سانشو بانثا يخاطب حماره»). ولم يمضِ على عيد ميلاده الخامس عشر الكثير، حين ألّف قصيدة « هدايا سنة اليتيمين الجديدة «، وهي أول قصيدة نشرها. وتتحدث عن طفلين استيقظا في السنة الجديدة ليدركا أن أمهما قد ماتت، لكن أهمية القصيدة تتمثّل في استغراقها المتعلق بالفكرة الرئيسة، غياب الحب الأمومي، وتجربتها التقنية المبكرة. ويبدو أن رامبو قد ورث مواهبه وطموحه الفكري من أبيه، الذي قام، في أثناء خدمته في شمال أفريقيا، بإنجاز ترجمة للقرآن مزودة بالحواشي، ومجموعة من النكات العربية. وقد بعث رامبو، الذي يظهر أنه احتفظ برؤية رومانسية عن أبيه، في طلب هذين العملين حين انتقل إلى أفريقيا؛ وأصبح، وهو اللغوي البليغ، طليق اللسان باللغة العربية إضافةً إلى عدد من اللهجات المحلية، بل وراح يعطي دروساً عن القرآن لأولاد الأهالي هناك. وكان الطابع العملي الصلب لدى أمه («الأعمال هي ما يهم») متعارضاً كثيراً مع هذه الحماسات العقلية. ومن المغري أن نرى، في اختلاف طبيعتي والديه هذا، جذور التأرجح الغريب لدى رامبو بين الأدب والتجارة.
إضاءات
وفي مقالة نُشرت في مجلة الـ Economist عن شاعرية رامبو من خلال عرضٍ سريع لمجموعة قصائد له بعنوان « إضاءات Illuminations «، الآنفة الذكر، والتي ترجمها الشاعر جون أشبيري. وجاء فيها أن آرثر رامبو، طفل شعر القرن 19 الفرنسي الرهيب ومنبوذ الحياة الأدبية الباريسية، لم يكن عارفاً بأن عمله النهائي، (إضاءات) هذا سيأخذ طريقه إلى النشر أبداً. وكان الناس يعتقدون آنذاك بأنه ميّت. واتضح مع الوقت في عام 1886 أن رامبو قد تخلّى، في الحقيقة،عن الشعر ليكون تاجراً في أفريقيا، « عروبياً من الطراز الأول «. وكان يتكلم تشكيلة متنوعة من اللغات المحلية واللهجات، ويتنقل بشكل دائم من مكان إلى مكان، تماماً مثلما كان هو وبول فيرلين، الشاعر أيضاً، يذهبان ويعودان، قبل سنوات، ما بين باريس ولندن.
ولقد ظل، حتى عند موته في عام 1891، وعمره 37 عاماً، غير عارف فيما يبدو أو غير مبالٍ بحقيقة أن ( إضاءات ) قد نشرها فيرلين وآخرون، أو أن ما اعتبره أحد الناشرين «حزمة ورق تتّسم بالمجازفة» يُصبح آنذاك أحد الأعمال التجديدية في الشعر الفرنسي الحديث، وبدا أن تأثيره يتجاوز صورة رامبو كمراهق عابس أيقوني.
وتمثّل (إضاءات)، المؤلفة من 43 قصيدة نثرية واثنين من الأمثلة الأولى للشعر الفرنسي الحر، مجموعة متألقة من القطع الصغيرة جداً، والرؤى والصور الحُلُمية dreamlike ، وُضعها الشاعر كلها معاً تحت تأثير ابتهاجه المشوب بالتعجب لغوياً. وقد أخذ رامبو، المليء بالاصطلاحيات الانكليزية الضعيفة، كلماتٍ تعطي معنىً تاماً بالانكليزية مثل « رقائق ثلجية snowflakes « و ترجمها إلى الفرنسية، بمعنى éclats de neige ــ أي كِسَر أو شظايا من الثلج ــ جاعلاً مما هو مألوف غريباً في اللغة وفي مضمون شعره معاً.
و في إحدى القصائد، «مساء تاريخي»، تُدار لعبة ورق في قاع بُركة ماء، وهي واحدة من «عروض افتتانات» رامبو الكثيرة، بينما تظهر «مروج الفولاذ والزمرد» في قصيدة أخرى. ولقد خلق رامبو عالماً «تنثني فيه السماء إلى الخلف، وتتراجع وتهبط» في مشاهد روحانية ذات طابع هلوَسيhallucinogenic ؛ وكان نتاجه، مثل حياته، فنطازياً ويتّسم بالقلق.
إن ترجمة مجموعة شعرية صعبة وجريئة كهذه مهمة شاقة. لكنها مهمة أنجزها، بوضوحٍ ومهارة، جون أشبيري، الفائز بجائزة البوليتزر، وهو المترجمٍ والكاتب أيضاً بطريقته الخاصة. فالسيد أشبيري، المولود في أميركا في عام 1927، لا يخشى أن يربط الحيوية بالصفاء، وهو يُمسك ببانوراما الرؤى والأصوات التي يستحضرها رامبو، وأن ينقل بعض سمات لغة رامبو المذهلة المنطوية على المجازفة. فنجده في ترجمته لأبيات مثل :
[ عصفة ريحٍ تفتح ثغراتٍ أوبرالية في الجدران ]
يظل أميناً للمعنى وللنبرة السريالية في شعر رامبو. كما أن نثر أشبيري الواضح يفلح في تحاشي نبرات ما هو نزوي whimsy التي استطاع رامبو أن يوحي بها باللغة الانكليزية. فترجمته تحاول أن تعطي وزناً لكلٍ من السمات الروحانية والتهكمية الخاصة بمجموعة ( إضاءات ). كما أن هذه الطبعة تتضمن، على كل حال، الأصل الفرنسي، ولهذا فإن كلمات الشاعر ليست بعيدة كثيراً عن القرّاء، إذا ما كانت بعض استعمالاته اللغوية وابتهاجه في الإيقاعات الداخلية تضيع أحياناً في الانكليزية.
عن / The New Yorkerو Economist