محمد خضير
تنويه:
كثيرة أساطير العشار السائرة في الخفاء، إلا أسطورة العُود فهي الشائخة والعالقة كحتاتة الذهب في أسواق الصاغة، والمطوّفة كأرواح الغجر حول الأسوار.
بعد جلبة النهار، تنتقل حسحسةُ العود في الآثار والخلوات، صادرةً من زاوية تجمع عوّاد الأسطورة بحوارييه، عمّال السوق وأحلاسه، من الخبازين والحلاقين والإسكافيين والكببجية والشايجية والصفّارين، مع أشباح أسلافهم الميتين.
تغيرت الأحوال، وتبدلت الأدوار، وحُبِست نوتة العود في دُرج تكية أو خان أو حظيرة خيول، قبل أن ينقلها الغجر ويسيروا بها إلى أبعد حارةٍ في بلاد الشرق. غير أنّ للعود أسطورة خالصة لم تبارح حواري العشار، سألخّص سيرتها، مع دورة القمر، وعواء الكلاب، ونهوض الأموات في مقبرة أور.
ترجع الأسطورة لأيام الحرب الثمانينية، عندما نشرتُ شذرة يومية في إحدى الصحف بعنوان «أقمار وأوتار». كنت أبحث وقتها عن فندق سُمّي باسم «الحكماء» حينما دلّني أحد نزلاء الفندق على منزل العوّاد هارون، زاعما أنهما قدما سوية من أور القديمة، نزلا في الفندق، ثم افترقا واستقر العوّاد في زاوية من الحيّ الأسطوري. قال الحكيم من أور: «قرأ العوّاد هارون قصتك عن فرقته فخاف من مداهمة الشرطة وغيّر زاويته. انت وصفت مكاناً خالياً، مغموراً بضوء القمر، وربطتَ بين الفرقة الموسيقية وبين مارسكون إله الحرب، فظنّ العوّاد أنها إشارة واشية يجب الحذر منها. أنت تعرف أمثاله من الطنّانين السماويين».
لو أني ترجمتُ حرفياً لغة النزيل، ذو اللحية المجعدة، والذيل المربوط من شعره، فقد يلفّني دوار الحرب الذي شتّت حواسّي، وأضاع خطوتي، منذ لقائي مارسكون في ليلة دامسة قبل عقود، بالقرب من فندق الحكماء. كان واحداً من العمالقة المجنّحين الذين اتُهِموا بإشعال الحرائق.
سألتُ النزيل المتنكر بزيّ غريب: «أريدك ان تصحبني إلى زاوية العوّاد الجديدة. فقد لا يعرفه سواك».
وافق على طلبي بشرط أن أتنكر بملابس الفرقة التي قال إنها تغيّر هيأتها وأسلوب عزفها كلما أحيت أمسية في زاوية تحلّ بها: غرفة في فندق، او ورشة في معمل، أو سقيفة في مرأب، أو حظيرة في مسلخ. ثم قال:»تخشى الفرقة أن يهجم مارسكون الجبار على خلوتها ويشتت شملها. لن تتخيل ما قد تفعله كائنات أور أولئك في حلقاتهم الغنائية. موسيقاهم أيضا موزعة على غريزة دفينة منذ القِدم. طواطم حيوانية ومومياءات سائرة على نغمة قيثارة شبعاد الجنائزية».
حينما استفسرت عن القيثارة التي ذكرها في كلامه المقطعي المدغوم، رسم أمامي بأصابع كفيه المبسوطتين كلتيهما أوتار القيثارة في الهواء، كأنما يحفر شكلاً انتزعه من ذاكرته الموميائية. قال ملتفتا حوله: «أخشى أن رأس مارسكون الشبيه برأس ابن آوى يراقبنا الآن».
واعدني على ليلة معلومة من اكتمال القمر، وسكون الحواري، ورقدة الأرواح؛ فسايرته في طلبه واستبدلت ثيابي، وتنكرت بضفيرة طويلة وشفتين مصبوغتين وأذنين محلّقتين وعينين مؤطرتين بالكحل، مما يتطلبه طقس الحرب آنذاك. قهقه في وجهي لما رآني، ثم قال: «أيها الغجري. لن يعرفك صاحبنا العوّاد حتى لو اصطحب معه مستشاره القارئ المتمرس بتفسير الأحلام وقراءة الصحف».
ضحكت لضحكته، فضرب منكبي بكفّه القيثارية المزلزلة: كأنك مارسكون صغير مصنوع من مصارين الأب الأكبر».
تلمّسنا السبيل إلى زاوية العوّاد المعلقة فوق الشرفات الخشبية المضاءة في شقوق الحواري المظلمة، حتى استقررنا في شقّة بالطابق العلوي من عمارة تُعرف في العشار بعمارة «دهمان» كانت سكناً للعمال المصريين والسودانيين وغيرهم من دهماء السوق وأحلاسها.
قال النزيل الأسطوري: «أنظر في المخزن. وانا أفتش العلّية علّنا نعثر على أثر للفرقة. القيثارة أو الطنابير».
كانت الشقّة خالية تماماً، ولم تقضّ أسماعنا إلا خربشات الفئران في العلّية. قال لنا الرجل المصري، المقعَد على كرسيه، عند بوابة العمارة الدرداء: «الفرقة؟ أجل. حلّت هنا يوماً. طلبتْ منّي تسجيل حفلتها: قمر آذار».
« العوّاد نفسه؟»
«نعم مع حوارييه المتنكرين وأمثالهم من الزائرين الطارئين. يختلط عزفهم مع دويّ المدافع وراء النهر. الهدير بعيد لكني ظننتُ العمارة ستنهار فوق رؤوس ساكنيها ليلة ما. اليوم هي مهجورة تماماً بعد حادثة المصعد. قُتل عشرة منهم عندما شبّ حريق في المصعد».
«هل احترق العوّاد معهم».
«نعم.هارون، مع عُوده».
ظنّ دليلي الحكيم أن البوّاب المصري يخلط في إفادته، بعد أن لحقته لعنة مارسكون: «لم تترك الحرب عقلاً صافياً الا وملأته بالأكاذيب».
لن تتاح لباحث طنّان مثلي غير فرص قليلة تقودني إلى مكمن هارون العوّاد، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، واختفى مارسكون الرهيب عن الأنظار. أحسستُ أن فرصتي الأخيرة حانت عندما دُعيت لحفل زواج ابن أسطة من أسطوات البناء في محلة «المجصّة» القديمة. كانت ليلة دافئة، يزينها ضوء القمر بشعلات هاوية على السطوح، وترقص النفوس فيها كرقص الجواري في منمنمة رسمها يحيى الواسطي. وهناك بين التزمير والتطبيل وتطويح الأجساد الغجرية، أبصرتُ بهارون في زاوية الاسطبل الذي اتُخِذ قاعة للعرس. كان يجلس على كرسي عال، مجاور لكرسي ابن الأسطة، يحتضن عُوده، محاطاً بحوارييه الدفّافين. نُثِرت الدنانير، واشتدت حمّى الرقص، حين ظهر مارسكون، بقناعه الحيواني، وتوسط الحلقة الغجرية، عازفاً على مزمار مزدوج القصبة. فجأة وثبتْ على كتفيه إحدى الراقصات، وأحاطت عنقه بذراعيها. ثم اعتلت راقصة ثانية ظهر الراقصة الأولى، وتوإلى صعود الأخريات، فدار مارسكون بهن وفرش جناحيه يهمّ بالطيران.
كنت سكران بما سقاني الأسطة البناء، فتصورتُ فرقة غنائية من عصر أيسن لارسا مكونة من الحيوانات يتقدمهم هارون الذي يضرب على عود طويل العنق، تغادر الاسطبل، وتشدّني وراءها بسحر الموسيقى، تنهمر علينا شُهُب السماء من كل جانب. توغلنا في حواري «المجصّة» راقصين، وملأناها بغنائنا، لا نلوي أعناقنا لما حدث وراءنا. التحمت الشعلاتُ الساقطة، والتهمت الاسطبل بنيرانها، بينما ارتفع الطنين الحيواني وغطى على طقس جنوننا.