أقنعة اسماعيل الخياط

ناجح المعموري

نستطيع اخضاع اقنعة اسماعيل الخياط للفهم الهايدجري ويأتي هذا من زمانية المتلقي المشتركة مع زمانية ومكانية الفنان.
غاب الكائن واستحضره الفنان ووضعه امامنا ومنحنا نوعاً من العلاقة مع القناع الذي يقترب الينا ونحقق نوعاً من الفهم «ان الفهم هو البنية الزمانية التي كان على هايدجر حلها بأي ثمن. ولا نستطيع الغاء ماضي القناع وحاضره، مثلما نجده يتجه (لاستباق « المستقبل « هو قفزة الكائن برمته، قفزة خارج ذاته بحيث يصير ما ليس هو ولكي يصير ما ليس هو، بحيث يستبقي على ما كان قبلاً [اسماعيل مهنانة / فلسفة التأويل / ضمن كتاب، مجموعة من المؤلفين / ابن النديم للنشر، دار الرافد الثقافية 2013/ص113]

ومثلما قال بول ريكور: ان الفهم لم يعد طريقة من طرق الكينونة، انه طريقة هذا الكائن الذي يوجد وهو يفهم [ن. م ص 113]
ان القناع ارتحال البشري الواضح / المكشوف، إلى كيان رمزي فيه فيض دلالي. والكائن يتمتع بكينونة ويتميز انطولوجياً، فالقناع رمز وعلامة تخفي حضوراً مشوهاً، مشوشاً وهو ــ القناع ــ يعني تحولات مستمرة مع حصول متغيرات، انه ــ القناع ــ في الشعر والسرد وفي الديانات؛ يهوه واقنعته، نابو واقنعته. هذه الاقنعة كافية للتدليل على الحياة الاجتماعية / الثقافية، السياسية، انها تتمتع بالمرونة الدلالية على الرغم من صلابتها، وكتلتها الخشنة والقاسية. لا سيادة فيها لسلطة الكائن من خلال حضور مادي، بل جسد القناع اختزالاً للكائن واخضاعاً له، لكنه عبر مثيله يرضى بالقناع بديلاً عن الوجه الحقيقي.
عرفت الحضارة السومرية الاقنعة، والمعروف منها على نطاق واسع قناع الاله الشيطان خواوا حيث تم تقديمه متستراً وكامناً، من اجل حلم اكبر. واخر حيوي ومهم، انه ــ القناع ــ يوميء لكائن موجود في الظل وزمانيته متخيلة من قبل الفنان. اما مكانته فهي غائبة فنياً، لكن الفنان يسحبها إلى محيط يدركه وحده ويؤشر لنا به، باعتباره متلق له. لا يمكننا تصور الكائن، وسط غياب الزمان، والمكان لان هذا يلغي كينونته الحيَة / الجوهرية، ويمنحه المتلقي نوعاً مغايراً وبكثرة، ويظل خاضعاً لرؤية المتلقي.
مساءلة الكائن في افق الزمانية تمنحه وجوداً، اي فهماً باعتباره تزامنا ثم تزمنا فاهماً، اي ظاهرة الفهم باعتبارها بنية زمانية اساسية في تشكيل الواقع الانساني كما قال الاستاذ اسماعيل هنا. انه وبإمكان التعامل مع القناع باستفادة من هذا الموقف الفلسفي باعتباره كائناً، لكنه قائم في الظل ولا يستطيع المتلقي الوصول إلى الكائن المقنع لان اسماعيل الخياط زاول لعبته الفنية لابتكار الاقنعة وغيب الدزاين الخاص بها، لذا خسرت وجودها وارتضت حضوراً فنياً لا يمسكه الا الفنان ولا تقوى الا على التصور حيث الاشتباك الحاصل بين المتلقي وبين الكائن الذي امامنا في العرض، لكننا لا نقوى على مساءلة هذا الكائن، اذن فقد احد شروطه في الوجود. جاءتنا هذه الاقنعة من المستقبل واستراحت في الماضي والفنان هو المستعيد لها. وهكذا دائماً تظل حركة التصور الخاصة بالقناع الذي هو البديل المستحضر / المتخيل للكائن من قبل الفنان. وهل كانت قصدية اسماعيل الخياط تعني بشكل دقيق ان حضور الكائن بشكل اصيل، عليه ان ينقص بشكل اصيل كذلك ــ بتصرف من اسماعيل مهنانة ــ وهذا الانقضاء هو المحو الكلي والحقيقي للكائن، حتى يكون قناعاً. نحن نستطيع التوصل للبورتريت والتعرف عليه لكننا لا نقوى على الامساك بالقناع ورموزه الحقيقية. القناع تلاوين الكائن، وهو المحو المادي له / الغاء الحضور الفيزيائي واستدعاء القناع التخيلي بديلاً عنه، والرسم المستدعي، هو نوع من الافتراض المانح للشخصية صفتها، وعناصرها وخصائصها، لذا لا نجد قناعاً متكرراً، بمعنى تميزه بالفرادة والجمال. الفن جمال حتى القبيح ينطوي على جماله وعلينا ان نبحث عنه والمتلقي هو المعنى بذلك.
انا افهم اقنعة اسماعيل الخياط بوصفها تكراراً لما كان حاضراً في الماضي وتحول إلى هكذا في الحاضر، وسيظل محتفظاً بمستقبل من نوع خاص به وكما قال هايدجر الدزاين (الكائن) لا يوجد متعالياً ولكنه مقذوفاً به في خضم الناس والاخرين، واعتقد بأن الاقتراب من الاقنعة فيه اشكالية ثقافية والاكثر فلسفية لأنها تمركزت حول الغائب ونصه بحضور من نوع اخر، الاقنعة عبر تفاصيلها الكثيرة ومفرداتها المكونة للغتها الخاصة، هي التي تجعلنا اكثر قرباً منها. لان اللغة هي الاساس الجوهري في العلاقة مع الحياة والعالم ــ باستثناء الحيوان ــ لانها مشترك لفهم الوجود، كما قال الفيلسوف جادامير ان اللغة التي توحدنا. والرسم والنحت والتخطيط نوع من اللغة المتسامية / المتعالية وباستفادة من جادامير بتصرف اللغة صامته / هامسة / صارخة، بمعنى هي ليست المرسوم / المنحوت / الفوتوغرافي، بل هي تعني الذي لم تستطع الحديث عنه او الايماء به واليه. بمعنى انها كل هذا وايضا الفراغات الموجودة او المسكوت عنها، وهي كثيرة في نماذج الاقنعة الخاصة بإسماعيل، باعتبارها تمظهراً فلسفياً عن محنة الدزاين (الكائن) (ان الانسان الذي يتنفس اللغة ويغمره الوجود، لا يمكن ان يعاني حالة من الصمت المطلق التي تتساوى بالعدم. وانما يكون دائماً في حالة حوار مستمر، اما داخلي مع النفس او خارجي مع (الاثنين) وللجدل على حد تعبير جادامير نفسه، هو من اجراء الحديث، ويتضمن ذلك من اجراء الحديث مع النفس والسعي الجدي لفهم النفس [د. شهرزاد دراس / الفكر الهرمينوطيقي عند غادامير / ضمن كتاب فلسفة التأويل / سبق ذكره / ص 145]
اقنعة اسماعيل الخياط سرديات سقراطية اكثر اهتماماً بالتبادل الحواري والاقتراب من محيط / فضاءات الانسان من اجل التعرف عليها ــ واذا قبلنا برأي غادامير فإننا نعترف بقدرة اللغة على خلق الحوار، واعتقد وهذا امر طبيعي ــ للتباين في وسائل انتاج النوع ــ فإن اللون لدى الفنان هو لغته الخاصة والاقرب اليه والعارف بتحريكها وشحنها بما يقتنع به ليؤسس بها وسيطاً حوارياً مع الاخر، والالوان لدى الخياط هي الوسيط بينه وبين الوجود وهي وسيلته الاثيرة وغير الثابتة لأنها متحركة في كل تجاربه الفنية لان اللون قادر على ابتكار دلالته بالتجاور مع غيره مثل اللغة الشعرية التي تفقد معناها القاموسي وتحوز على الاستعارة. اللون / اللغة التشكيلية تمسك بالذي يريده الفنان ويعبر به، ليوصل رسالته لنا، هذا هو الشكل الحواري الذي تؤسسه اللغة. وهي ــ اللغة ــ متراكمة بطبقات متتالية وصاعدة في الاقنعة اكثر من غيرها في اللوحات التشكيلية. هذا يساعد قناع الخياط على انغمار الاخر فيه وتنشيط قدرتنا على القراءة والتأويل كي نكتشف حقيقته التي كانت وغادرته إلى الابد. وخسر القناع (الان) الدالة على الزمانية وقد اشرنا لذلك قبلاً وعندما يتحول الكائن إلى قناع راضياً بمغادرة مكانه، يفقد ايضا وجوده وتتلاشى حقيقته ويكتفي بالأثر، وعلى الرغم من اهمية الاثر في مفاهيم جاك دريدا، لأنه يقودنا باتجاه الاصل، لكن القناع لم يترك لأثره الاول غير التشوه الحاضن لنوع من جمال التراجيديا المحفزة لمشاعرنا ورؤيتنا كي نمسك بالتضادات التي جعلت من العالم / لكل كائناته عبارة عن حشد من الاقنعة، ولم يعد العامل مثيراً لنا، بقدر هيمنته علينا بالمتروك من الحزن، ونظل مع حقيقته حتى نعمل من اجل ألا تتكرر المأساة، الماضي وحده المتكرر والمستقبل يستولد الماضي مرة اخرى.
جعلنا القناع نتجاوز الكائن / الاصل، لكننا لم نستطع تجاهله وانما لزمنا بالبقاء امامه، او الاكثر صواباً امام بقاياه القناعية، ولكن شتان بين الاصل / الكائن الانساني وبين متروكه / القناع.
القبح ينفتح على الجمال، بمعنى ينكشف عن شعرية وهي جوهر الفن (لكن جوهر الشعر هو وقف الحقيقة. والمعنى هو الوقف بمعنى والوقف بمعنى الانشاء والوقف بمعنى البداية لكن الوقف لا يكون حقيقياً الا في المحافظة عليه [مارتن هايدجر / اصل العمل الفني / ت : د. ابو العيد دودو / منشورات الاختلاف / 2001/ ص99]
وعطاء الفنان كما قلنا هو الرضا بالانفتاح على المتلقي / التأويل وهو ــ القناع ــ قابل بذلك إلى ما لا نهاية، وحالته هذه مماثلة لاي عمل ابداعي أخر. فقدان العطاء / الانشاء يخسر العمل الفني عنصره الجوهري الحيوي. ان العطاء الذي اشار له هايدجر كمعنى للوقف، فعالية للقراءة والتأويل ويضع المتلقي وسط اختبارات القدرة الذاتية على الفحص والتعمق فيه، لان العمل الفني يبقى مستعداً للحفر والتنقيب، وكل ما كان مخفياً هو اصله واهميته، المسكوت عنه، هو لغة العمل الفني المساعدة على اثراء التأويل بوصفه رأسمالا رمزياً، وفرت له العلوم الانسانية امكانات الاغتناء، بما توفره من روافد ثقافية محفزة مساعدة على الاظهار والكشوف.
ويمكنني الذهاب بعيداً مع القناع نحو فضاء ميثولوجي، استفادة من فتوحات الطائر الذي درسناه قبلاً والميثولوجيا بذرة كامنة في اعمال اسماعيل الخياط وما يساعدنا على هذا الرأي هو المكان اولا، حيث الشاعق / المتحدي / الملوح بميتافيزيقته، وتحوله في حين اخر إلى مسكن للكائن الانساني / الهارب والطائر ايضا، حيث يتوحد مسار الاثنين معاً الانساني والحيواني لان المرتفع / المقدس / الأسطورة، لأنه لا يقوى على المحافظة على اسطورة الميتافيزيقي الا عبر الاسطورة كنص استعاري، تتسيد فيه الرموز / والمجاز / تفضي بنا نحو اساطير ولا معقوليات / وغرائبيات. والمكان المتعالي الشاهق يعلن عبر تساميه عن حضوره الزماني الابدي / الدائم. ومن خلال زمان / ومكان افترضته القراءة، علينا ان نعيد اقتراح رؤية وقراءة للقناع ونجعله اسطورة بديلة / اثراً لما كان موجوداً في الوجود الهايدجري، ومثل هذه الأساطير تحمل بذرة اصلها التي تومئ لأصل سابق / بدئي وربما يكون القناع استعادة لتلك اللحظة البدئية. التي ابتدأ بها صراع / تضاد من نوع خاص.
الاسطورة في القناع هي حلم الفنان. الواقعي / الموضوعي الغائب. والتغيب القسري يضفي على الكائن اسطورية مثلما في كثير من الوقائع والاحداث. وحتى في الاعمال الابداعية مع كل اختلافات عناصرها الفنية… فهل التباعد الزمني والافتراق لمن كان حاضراً، ولم يترك غير صورته، بالمخيلة الفنية، جعل من الشكل / الصورة قناعاً متخندقاً ليحافظ على الاثر، الذي له فيه خوفاً من الملاحقة بالمحو العرفي المستمر الذي عاشه الكرد.
استطيع استعارة مقولة مشهورة للشاعر ت. س اليوت قال فيها «نحن على صواب عندما نقول ان العالم بناء مشيدّ. ولكن هذا لا يعني انه بناء من تشييدي لنا. لان هذه ــ الانا ــ هي كما العالم، بنائي المشيد ايضا» والاستفادة من هذا القول مزدوجة الاولى هي ان الفنان اسماعيل شيد عالمه الخاص المغاير عن غيره من الفنانين، واختلافه عنهم لسببين احدهما موضوعي والاخر ذاتي وندرة التماثل معه خارج محيط كردستان فهو الذي شيد بناءه الفني، وثانيهما ان الذات / الانا هي مبتكرة هذا المشيد غير المتوقف، بل سيظل مستمراً واعتقد بأن مثل هذا الفنان المثير بالغرائبية واسطورياته يتعامل مع « المشيدّ « الابداعي متماثلاً مع المتسامي الذي يراه في كل لحظة وحاز عبره على اشراقاته. وذات الخياط، لا تختلف كثيراً عن عالمه الفني، وبناؤه المشيد / صوفياته / اسطورياته، ولا مجال لفك الاشتباك بينهما لأن كلاً منهما موجود في وسط الاخر، الصوفي الاشراقي متخندقاً بالأسطورة التي لم تغادره ابداً، انهما ملتحمان معاً ومع هذه الخاصية لا تتنكر اقنعة للواقع على الرغم من انها لا تتطابق معه. كما ان الفنان اسماعيل الخياط عبر اقنعته شفرها لنا برسالة، فكان تجديد الحياة وصعودها من السواد / مثل طائر السيمرغ، بمعنى فتح الزمن على تجربة جديدة، للمستقبل حاجة بها عبر ما يوفره التخيّل.
حاز اسماعيل الخياط رمز للهرمسية والاله المغامر الذي تكفل بنقل رسائل الالهة الموجودين فوق جبال الالمبيا إلى نبي البشر على الارض وهنا انفتاح جديد لرمز القائد وازدواج علاقته مع الجبال المتعالية [ص202 فلسفة التأويل].