الأولمبياد الشِّعريّ

جمال جمعة

لطالما فكرت بقيام أولمبياد شِعري عالمي، على غرار الأولمبيادات الرياضية، حيث ترسل جميع الأمم خيرة شعرائها للتباري بالقصائد التي تعلق الفائزة منها في صالات الأمم المتحدة، كما كانت تعلق المعلقات على أستار الكعبة في الأيام الخوالي، وتجلل رؤوس الشعراء فيها بأكاليل الغار، فيا له من مجد!
دأبت الأمم في العصر الحديث على إقامة مثل هذه الأولمبيادات المصغرة احتفاءً بالشعر والشعراء، زينة ثقافية تتباهى بها أمام الشعوب الأخرى ومعلماً من معالم الحضارة والمدنية التي تريد أن تطبع ذاتها به وتتزين برونقه، من خلال إقامة مهرجانات سنوية أو موسمية يصدح فيها شعراء العالم باختلاف لغاتهم على مسرح هذه المدينة أو تلك دون اعتبار للجغرافيا أو العِرق. وهاهنا استعراض سريع لأبرز تلك المهرجانات أو الأولمبيادات الشعرية المصغّرة حول العالم:

المهرجانات الاوروبية

مهرجان «أصوات حية» في فرنسا:
«أصوات حية، من متوسط إلى آخر» وهو مهرجان سنوي للشعر العالمي المعاصر تحتضنه مدينة «سيت» في الجنوب الفرنسي، ويدعى إليه مجموعة من شعراء وفناني العالم، خصوصاً من الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط لتقديم عروضهم في «حي الصيادين»، القلب التاريخي للمدينة، في قراءات شعرية وحوارات حول الشعر تُقام في فضاءات مفتوحة، في الحدائق العامة وساحات المدينة والمقاهي والأماكن الأثرية، وعلى متن السفن الراسية أو داخل «القناة الملكية» في مدينة سيت.

مهرجان الشعر العالمي في روتردام:
وأحد من أهم وأكبر المهرجانات الشعرية في العالم وأكثرها نجاحاً في العقود القليلة الماضية، يستضيف عادة مجموعة محدودة من عشرين شاعر بارزاً تقريباً من مختلف أنحاء العالم لتقديم قراءاتهم المصاحبة بالموسيقى والعروض السينمائية في دورات تحمل تسميات مختلفة، حمل آخرها اسم «الفوضى والنظام»، ويقام المهرجان عادة في شهر حزيران من كل عام.

مهرجان «موسكو» للشعر العالمي:
وهو مهرجان شبه حكومي يقام في بيت «مايرخولد» للآداب، تساهم في دعمه جهات عديدة أبرزها رابطة القلم الروسية واتحاد الأدباء الشباب، إضافة إلى سفارات عدد من البلدان وبعثاتها الدبلوماسية في موسكو، مثل السفارة الفرنسية والكندية والبلجيكية، إضافة إلى اتحاد الناشرين الروس، حيث يقيم الشعراء عروضهم في المتحف الأدبي، ومتحف مايكوفسكي، وبيت تسيتفانا، وصالون «كتّاب القرن التاسع عشر»، ومقهى بيروجي، إلى جانب المدارس والجامعات.

مهرجان «برلين» الدولي للأدب:
أسسته عام 2001 مؤسسة «بيتر فايس للفن والسياسة»، ويركز هذا المهرجان على متابعة تطور النثر والشعر في العالم من خلال دعوة أهم الكتاب والشعراء المعاصرين من مختلف البلدان، حيث يحل أكثر من 100 كاتب وكاتبة من نحو خمسين بلداً ضيوفاً على هذا المهرجان الأدبي الذي يعد الأضخم في أوربا، وتشارك فيه أسماء أدبية لامعة من أصقاع المعمورة. ويضم المهرجان قسماً خاصاً بـ «أدب الأطفال والشباب الدولي»، والذي يعتبر من أهم الفعاليات المخصصة لكتاب وأدب الطفل في أوروبا.

مهرجان الشعر الدولي في رومانيا:
مهرجان سنوي تنظمه مدينة «بسترينا» في رومانيا، إحياءً لذكرة شاعر المدينة الكبير ليفيفيو، ويتميز بتنوّع فقرات برامجه الثقافيّة التي تشمل قراءات الشّعر وعروض الرقص الفولكلوري، إضافة إلى العروض المسرحيّة والمحاضرات التي يؤديها الشعراء والشاعرات من مختلف دول العالم، إضافة إلى مبدعي البلدة المضيفة «بستريتا».

مهرجان ربيع الشعر في ليتوانيا:
مهرجان استحدث مؤخراً ويدوم 15 يوماً في مدينة «فيلنيوس» الجميلة، عاصمة ليتوانيا، ينظّم فيه 150 حدثاً مختلفاً يتوزع بين قراءات شعرية وقراءات للمؤلفين الشباب والطلاب، إضافة إلى الارتجالات الشعرية والموسيقية المصحوبة بعروض الرقص والغناء وافتتاح المعارض الفنية المختلفة. المهرجان، وكما يتضح من اسمه، يقام في الربيع من كل سنة.

مهرجانات أمريكا اللاتينية
المهرجان العالمي للشعر في «مديين»:
تأسس «المهرجان العالمي للشعر» بمدينة «مديين»، ثاني أكبر مدن كولومبيا، عام 1991 من قبل جماعة صغيرة من الشعراء الشباب الكولومبيين الحالمين. لكن، مع مرور الزمن، أضحى المهرجان الأكثر شهرة في العالم، ويتوافد عليه شعراء من مختلف بقاع العالم لقراءة قصائدهم في المنتديات والساحات العامة والمسارح والملاعب التي تغص بعشاق الشعر، في واحدة من أكثر المدن تضرراً بالعنف منذ نصف قرن تقريباً.
حين بدأ المهرجان، كانت كولومبيا تعيش أوقات صعبة ودموية بسبب اقتتال عصابات تهريب المخدرات التي كانت تجتاح «مديين»، قبل أن يتحول المهرجان إلى معلم يفتخر به الكولومبيون، بفعل مشاركة سكان المدينة الفعّالة وزوارها، الذين وصفوا بأنهم أكبر جمهور للشعر في العالم، في حفل يدوم 10 أيام كاملة، حافلة بالشعر.

المهرجان العالمي للشعر بكوستاريكا:
ثاني أهم مهرجان شعري في أمريكا اللاتينية، ترعاه وزارة الثقافة الكوستاريكية وبيت الشعر الكوستاريكي إضافة إلى جامعة كوستاريكا، ويشارك فيه أيضاً مجموعة من شعراء العالم إضافة إلى بعض الشعراء العرب، حيث يقومون بجولات لإحياء أماسي شعرية في أنحاء متفرقة من البلاد إضافة للعاصمة سان خوسيه. وعلى مدى ستة عشر عاماً عزز «مهرجان كوستاريكا الدولي للشعر» من حضور القصيدة في عاصمة البلاد «سان خوسيه» والمدن الأخرى التي تتوسط الأمريكتين.

المهرجانات العربية

جائزة الأركانة العالمية:
وهي جائزة يمكن وصفها بأنها مهرجان لشخص واحد، تمنح سنوياً من قبل جمعية بيت الشعر المغربي بالتعاون مع مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير ووزارة الثقافة في المغرب للشعراء العرب والأجانب العالميين عن مجمل أعمالهم وعطاءاتهم الأدبية والفكرية إسهاماً واعترافاً بما قدموه في هذا المجال. استوحت الجائزة اسمها من شجرة» الأركان» المتميزة بزيتها وثمرتها التي لا تنبت في أي مكان آخر من العالم سوى في المغرب، وتحديداً في جنوبه. ووفقاً لرويترز فقد استحدثت جائزة «الأركانة» العالمية للشعر من قبل جمعية بيت الشعر المغربي عام 2002.

مهرجان المربد الشعري:
مهرجان شعري تقيمه وزارة الثقافة في العراق منذ عام 1971 ويشارك فيه العديد من الشعراء والادباء العراقيين والعرب. ويستمد المهرجان عنوانه من سوق «المِربَد» التي كانت تقع في قضاء الزبير ضمن محافظة البصرة، وهي أشبه بسوق عكاظ قبل الإسلام، وكانت السوق مخصصة لبيع الإبل والبغال قبل أن تتحول، خلال العصر الأموي إلى ملتقى للشعراء والأدباء والنحاة الذين كانوا يجتمعون فيها وينظمون مناظرات شعرية وحلقات نقاشية وفكرية، وبخلاف الأسواق الأدبية الأخرى التي كانت مخصصة لأقوام الجزيرة العربية، كانت سوق المربد متسعاً لأعراق مختلفة من فرس وصينيين وهنود وأقباط وعرب، ومن أبرز شعراء المربد جرير والفرزدق وبشار بن برد وأبو نواس، كما أن الجاحظ والكندي وسيبويه والأصمعي والفراهيدي كانوا من أشهر رواد السوق التي تعرضت إلى الاندثار قبل قرون .