الدفن

محمد خضير

تنويه

نستطيع استرداد طفولتنا باستذكار موكب دفنٍ على درب ترابيّ في ضواحي العشار.
الطفولة الشقية، أو العابثة، المائجة بالذكريات، يقوّضها الحاضر بمبانيه وأزقته الملتوية. منظران متوازيان يتسعان لاحتمالات ونقائض وصيرورات متوقفة في مكانها منذ زمن بعيد. ما الوعي النقيض إنْ لم يكن تحريك هذا الموكب على دربه الترابيّ، واستنطاق كلمات المشيّعين التي توقفت على الشفاه منذ ذلك الحين؟
أحرّك موكب طفولتي، وأتبعه متعجباً من سهولة التحريك. قُطِعت البداياتُ بقسوة التحريم والخوف؛ وتتمثل يقظة الوعي السارد في افتضاض عذرية تلك الأيام المدفونة في دفاتر قليلة الأوراق، مُتربة الأطراف. أقلّب تلك الأوراق متعجباً من صمودها ضد بلل الأزمنة وعفونة الحفظ في الصناديق، ثم ألتحق بزماني السافر بوجه صلِفٍ وبليد.
موكب طويل من الكلمات المشيَّعة، والظلال المنسحبة في ظاهر البيوت.. طفولتنا المدثّرة بدم العشب، وروائح المقابر، تدور مثل زوبعة في ثنايا الحيّ السكنيّ حتى تهدأ تدريجياً، من دون انتباه لشبوبها المفاجئ.

كان صباحا مغبراً ذاك الذي شيّعنا فيه صديقنا (البوجي) الى المقبرة. موكب قصير مكوّن من أصدقاء المدرسة ومعمّري المحلة يتقدمهم المختار ومؤذّن المسجد وحفنة نساءٍ حافيات. خرجت الجنازة من بضعة بيوت متنحية، أشهرُها بيت القابلة أم سلمان، وشقّت ساحة كرة القدم، مكبَّ النفايات، المَكْلَبة، بستانَ بيت مطرود بسدرته المعمّرة، ثم سارت في ممرّ أجرد لا يسع لغير مرور شخصين سوية، فتلاصقت الأجساد وداست الأشواكَ كيلا تتفرّق ويهوي التابوت، وقيل كان خفيفاً، بخفة (البوجي) الملقَّب أيضاً بطائر «الزيطة». وخيّل لمن تأخر عن الموكب، وانشغل بجمع أزهارٍ برّية صُفر، أنّ التابوت مرفوع على أيدٍ لا تلامسه فهو سريع الانزلاق كطائر رفرافٍ أغبر.
قلت لصاحبي الذي يلاصقني كظلّي: «شويكر. لماذا يُسرعون في مشيهم؟ بوجي سيُدفن مهما أسرعوا بالتخلص منه».
قال شويكر ببلاهة: «بوجي مات. سيدفنونه في آخر المقبرة».
سخرتُ منه: «في آخر المقبرة أو في وسطها فلن يغيّر دفن هذا الولد الملحوس شيئاً».
ردّ وهو يدسّ في حلقهِ عشبة طويلة اقتلعها مع الأزهار: «مات بوجي. الفريق نقص واحداً. يقال إنه مات بمرض مُعدٍ».
«عزلوه. لم يقترب منه أحد ولا كلب»
«لكننا نقصنا واحداً».
كانت قبضته تعتصر الباقة الهزيلة، وقد انقصفت ومالت تويجاتها الصغيرة: «شويكر، من أين أتتك فكرة الأزهار؟».
قال: «رأيت المسيحيين يضعون أزهاراً على تابوت القسّ. رأيتهم عندما تسللت الى الكنيسة. كانوا صامتين وهم ينحنون على الصندوق المدهون. ظننت أنهم سيرشقونه بالنقود».
ضحكتُ لفكرة النقود، فقد كانت تيجان الزهور التي قطفناها بطريقنا تتناثر كعملة «الفلس» بين الأشواك. مساحة واسعة من الفلوس المتراقصة.
«شويكر. أنت مدهش حقاً»
«تقول إنني ظلّك. ماذا تعني بذلك؟»
«لا أعني شيئا. لكنّنا سنفترق بعد أيام».
كان يكبرني بثلاثة أعوام، وأتقدّم عليه بصفّ في المدرسة، لكننا نتماثل في الطول والنحول والجيرة. أبوانا من صنف واحد، ملّاحان على قوارب شركة التمور الأميركية (هِلس بروذرز)، ويدخنان نوعاً واحدا ًمن سجاير (ثري فايف) المصفوفة في علب معدنية فاخرة. كان نحيلاً وقاتم البشرة، لكنه يمتلك صفات تحت دشداشته المتسخة بصبغة النباتات ودماء الحشرات وبقع الذروق، أحسده عليها. كان يتفاخر بعضوه الأدكن الطويل، المرتخي كحيّة ماء بين فخذيه، يعرضه على الفريق ما أن يخلع دشداشته ويستعد للارتماء الشاقولي في النهر.
«شويكر. أتعلم أن أسماء فريقنا كلّه ظهرت قبل أيام في قوائم التجنيد التي علّقها المختار على جدار الجامع؟»
«ماذا يعني ذلك بالضبط؟»
«سيلتحقون بالخدمة العسكرية، سيحملون حقائبهم ولن نراهم مدة لا أعلم كم تطول. أفهمتَ ماذا أعني بالظل؟ نحن الاثنين سنتخلّف عنهم»
«ألا يجوز لهم أن يتخلّفوا هم أيضا؟»
«لا. لا. فكرة سيئة أن يتخلّفوا عن العسكرية. بوجي المسكين وحده سيتخلّف. إنه يستحقّ الزهور مثل القسّ»
«يجب أن نلحق بالجنازة. هذه فرصتنا الأخيرة لنحمل اليه الزهور قبل أن يختفوا عن الأنظار».
انشغلنا فترة طويلة في انتزاع الشوكات الدقيقة من بطون أقدامنا، حتى إذا انعطف الموكب وغاب وراء ربوة المقبرة، كانت الشمس قد حالت الى شعاع رمادي، وخبا بريق حقل الأزهار الفلسيّة، وعادت أسراب الطيور من شتاتها البعيد وراء البيوت. كنا يائسينِ من اللحاق بأيّ قائمة تخصّ الأحياء أو الأموات، ناشزينِ بوجهينا الممصوصين وأزهارنا الذابلة. ذلكم كان الضلال بنفسه، إلا أننا كنا أصغر من أن نعاني ثقله في رأسينا البرّيين أو المائيين. لا غرابة في توديع جنازة البوجي بأسى قليل، فقد كانت لنا صفات الشخصيات البرمائية اللامعرَّفة.
أسرعنا راكضين، وبحثنا عن أثر البوجي بين القبور الحديثة الطمر. كان قبر البوجي واحداً من ثلاث كومات ترابية عثرنا عليها. كان الأندى بين القبور الثلاثة. اتفقتُ مع شويكر على هذا الاستدلال، الذي سيختفي من قوائم الأسى القديمة أيضا، لتحلّ بدله تعريفات أقسى وأعقد وأشهر من تلك العلامات الطبيعية. نثرنا باقة الزهور على كومة التراب الندية المنخفضة، ثم جلسنا متقابلين صامتين، وقتاً مالت الشمس خلاله للغروب.
«لم نلحق بهم. ماذا نفعل الآن؟» قال شويكر.
«لا فكرة لدي. لم أكن أعلم أن المقبرة بهذا الاتساع»
«قُل أنت وسأتبعك. ألستُ بظلك؟». همس شويكر بحذر.
«انت ترهبني. لستَ إلا ظلاً منساباً كالحيّة»
«أحسبتَني بليداً لا أصلح لعمل غير تشييع الموتى؟» تساءل شويكر.
«انت ماكر. غبي وماكر أيها المفلس».
ضحك شويكر وسال اللعاب من شفتيه الداكنتين. نهض وجمع دشداشته حول وسطه وقال: «لنسبح. لنقصد النهر للعوم حتى يهبط الظلام».
يقع النهر وراء المقبرة، نطاقاً محلولاً عن خاصرتها، ومَخاضاً عكراً لأجسام حرّى، انحدرنا اليه مسرعينِ، تنخزنا بقية الأشواك المغروزة في أقدامنا. كنا نصخب ونتقاذف الشتائم واللعنات التي تفوق ظلّينا البائسين. خلع شويكر دشداشته واقترب كي أراه عن قرب خلف حجاب المساء الخفيف. كان واثقاً من مطاطية الظلّ الذكريّ الذي يتمدد كحيّة ماء. تعرّيت مثله ثم دفعته للنهر، فتهاوى عبر الجرف وغاص في المجرى الغامض. كوّرت قبضتي حول فمي، منادياً إياه بما أملك من صوت محبوس؛ وما لبثت أن قفزتُ وراء شويكر.