علي البزاز
يا لعتمة الوجوه التي تتشاجر جماعيّاً مع الضوء، كالعقبات.
أحياناً أحدنا يمحو أحدنا، شبيهه ومناصره، كما محوت يوماً صعودي، هو الآن في كتاب مهمل. أعدو لملاقاةِ الجدرانِ التي صدّت أقدامي
حين كنتُ أقتسمُ الأفقَ مع امرأة.
لمن سأمنح الصفحَ؟
في الضوء:
هناك عشرات النادمين ، وأشجار واقفة كعواقب سيئة، هناك آخر، لا تعريف له، سوى، أنّه وهم.
تقارن الأفعى بالسمّ دائماً.
(لا تلمْها، سُمّها واضح- على الأقل-، وأصدقاؤها من ذات الوضوح، نعم، ثمّة أصدقاء للسمِّ )
ولدتَ تامّاً، ولدتَ راشداً، فصرتَ ندّاً. وهكذا، كنتَ كتأثير هاويات، كجذبٍ للعذاب، كمغناطيس ٍ للرعب، لرعبي فقط.
ما من حيازةٍ على سجية الفقدان،
إلاّ وأنا مقتنيها. أدخلُ إليها برغبتي، فألبثُ هناكَ خسارةَ خادمةٍ، أدخلُ طفلاً، فأمتدُّ نفقاً، أدخلُ جاهلاً، فأخرجُ ثورةً, أدخلُ احتمالاً، فتغلبُ عليّ التوقعات.
مَن يستقبل الذهبَ متوقّعاً حصانته كمن يطرد الضحية من برائتها.
الفقدانُ نافعٌ كالخصم.
العالم وجود ثقافي، قبل أن يكون وجوداً سياسياً واجتماعياً، أو هو توسيع لمفهوم الثقافة كي يحتوي الاقتصاد، عالم الموديلات والديكور المنزلي، الأذواق والأطعمة. حينئذٍ، يصير العالم محتمل العيش. فتبدو المقاومة هي الاحتواء السلمي للمفاهيم والنزاعات بعيداً عن السلاح. كم اُهملتْ الثقافة كسلوك وذوق وممارسة ، وحُصرتْ بالكتب فقط؟ وعليه ساد نوع ثانٍ من المقدّس غير الديني، بتقديس الكتب والأدب والفن. يقول تودوروف:
«إن الاعتقاد بمزايا الأدب، لا يُجبرنا على الاعتقاد بأن الحياة الحقيقية هي الأدب، أو أنّ كل شيء في العالم يفضي إلى الأدب. عقيدة تنبذ من الحياة الحقيقية ثلاثة أرباع البشرية».
الشاعرُ:
شريكٌ نزيه مع السقطةِ، لم يكن نجاةً يوماً، ولكن فيه من بعضها. يعوّلُ على بعضه، وتشتدُّ خطورته حين يعتمدُ على كلّه، ذلك الشاعرُ المنتحرُ صفاتاً وكتابةً.
مؤتمنٌ حتى على السموم( ينقذُ الأشواك مبيّضاً سيرتها، نسيانه من نسيان الشمس، وأخطاؤه من أخطائها، ولولاها- أي الشمس- لكان سعيداً.
هو
خبرٌ لا يصلحُ إلاّ للوفاة، ذلكَ الشاعر سيقولون عنه، بأنّه قد حدثَ ذات مرّة، حياتُه عنعنة.. فلان .. عن فلان.
للأسف:
لا حياة لي خارج الكتب، كما أنّني لا أتصور النوافذ ولا وسائط النقل، ولا الأصدقاء خارج الكتب، هل أصبحت سعادتي ورقية؟ وهل يوجد كائن من قلم وكتب وأفكار؟ ذاك ما يحذّر منه تودوروف، وهكذا، فأن مثل هذا الكاتب لا تتفق معه ثلاثة أرباع الكرة الأرضية!
وهذا ليس مأزقاً تماماً، إنّما المشكلة الحقيقية، هي بفرض الكتاب كمرشد وحيد، كالزعيم الأوحد، بينما ثمة مرشدون كثر، من بينهم الهاتف والموديلات، والملابس والأطعمة.
الكتب تتشعب، وتتفرّع كالطرق، تعبّد ثم تكتسحها الحفر والمطّبات. كانت الكتب تقارن بالطرق؛ هداية سلوك صحيح، والآن، تقارن الطرق بالكتب؛ طرقٌ خطرة كالكتب، طرق مسلية مثلها، طرق مظلمة. كانت الكتب المظلمة ملعونة، بسبب الإيديولوجيا السياسية، ألا تعتبر كتب سيوران وكافكا وبودلير وابي العلاء المعري من تلك الكتب المظلمة؟
هي :
* الفارق ما بين الجماهير والحكم، تدخل إلى الظلام والصحيح، على أنّها الفارق بينهما.
* تُسّهل للوحيد مثل الجسر ومثلي عبوره.
*تتوقف الشوكة فجأة عن الكلام، ويتّجه الوصول مباشرة إلى الوصول.
* تسيرُ سير الحادثة، لا تنتهي كنتيجة، ولا تقف كشكل النهاية.
*تمنع القضبان من مهامه، يتصورها النهر شعاباً، فيسير في ما بينها. تتصورها المرآة على أنّها مرآة .
كلّ حادثةٍ هي من تأثيرها وكلّ مطر يريدُ أفعالها.