طالب عبد العزيز
لا أظنَّ أن شاعراً عراقياً، من (جيل) السبعينات، لم يقتن نسخة من كتاب سمير الحاج شاهين عن رامبو، أو (رامبو .. آثاره وشعره) الذي ترجمه خليل خوري، واصدرته دار الشؤون الثقافية عام 1973. وهو الاهم. لقد فعل الكتاب هذا ما لم يفعله أيُّ كتاب مترجم في الشعر بسلوك وحياة وشعر عشرات الشعراء العراقيين، فقد كنت واحداً من الذين سارعوا لاقتناء نسخته، لكن اقتنائي لنسختي تلك كانت طريفة جداً، حيث أنني لم أحصل عليه من معرض الدار في البصرة، وما كنت مستطيعاً السفر الى بغداد لشرائها آنذاك، أمضيت شهوراً طويلة بانتظار نسختي، ربما كنت تصفحته عند أحد من زملائي، لكنَّ بغيتي كانت امتلاك الكتاب، خاصتي، أشهد أنني، وقعت أسير طفولته ونزقه وصلفه قبل أنْ أقع أسير شعره، هذا المجنون المشرد.
بعد مضي سنة، وفي سوق الكتب، بالبصرة القديمة، الذي يقع وسط سوق الجت والطيور وباعة الخبز اليابس وأعلاف الحيوانات، ليس بعيداً عن باعة الخردوات، وفي يوم ماطر، كثير الطين، وفي السوق الذي كان أحبَّ الامكنة لحسين عبد اللطيف، الشاعر، رأيت رامبو ممدداً على كيس من الخيش، مع بضعة كتب أخرى. نسخة وحيدة، عند أحدهم، عرفته فيما بعد، إنه (جبار النجدي) الشاعر ومؤلف الاغاني. وقفت وتصفحت الكتاب، كان النجدي قد ألصق على صفحته الأولى صورة غريبة لرامبو، بدا لي فيها أشعث الشعر، سيئ المزاج، هازئاً بمن حوله، ثم أنه كتب تحتها عبارة فرلين الشهيرة «لقد مت الميتة التي أردتها، زنجياً أبيض، رائع التمدن». لم يكن جبار ليتنازل عن الـ 250 فلساً، التي سعَّرالكتاب بها، لكنني، اشتريته، غير آبه بما ظل في جيبي من دراهم، لم تكن سوى ثمن تذكرة الباص، التي ستعود للبيت بي.
هل أقول بأنَّ رامبو غيّرَ حياتي ؟ نعم، لقد تسلل – والى اليوم- الى أعمق نقطة في روحي، فهو الذي سمعت منه العبارة الشهيرة:
«من السخف أن تبلى ثيابُنا على مقاعد الدرس» فتركت المدرسة. ومنه تعلمت أن أمشي بسروال مرقوع وحذاء مثقوب، دون أدنى شعور بالخجل من أحد، الى مبنى دور الثقافة الجماهيرية، بالعشار. وهو الذي علمني الخروج من البيت والتمرد على سيرة أبي الاصلاحية، دونما حاجة للنقود. وفي القطار، حين صرت أذهب لبغداد ، كنت أكتفي بدراهم في جيبي، دونما تفكير بأجرة العودة، وعنه أخذتُ السهر والخمرة والنوم مع نساء شارع بشار ومغادرة البيت الى حيث اللامكان، والتجديف على الشوارع والمدن والأحزاب والموانئ والاشرعة الممزقة، وهو، الذي علمني التسلل الى البيت، خائفاً من أبي، الذي لم يعرف الى اليوم، أنَّ ما أمضيته من الليل، وفي الأمكنة المظلمة، بشارع الوطن، كان صحبة جمال مصطفى وعادل مردان وحيدر الكعبـي وجمال جمعة وعبد الزهرة زكي ووو.
أتذكر، أنني كتبتُ ذات يوم : «لابدَّ من رامبو في كلِّ جسدٍ شاعرٍ حقيقي» وأستطيع القول أيضاً، أنْ ليس بين شعراء العالم من لم يأخذ عن رامبو شيئاً، ومن أعتقد بأن شعره كان أقل شاناً من حياته، كما في الدراسة العميقة التي كتبها الشاعر سامي مهدي( آرتور رامبو. الحقيقة والاسطورة) حيث تم تسليط الضوء على سيرته وحياته الخرافية، لن يعدم ضالته في الحياة الشعرية الاسطورية التي عاشها، والتي ستظل إغراءً شعرياً يلاحق الشاعر، أيّ شاعر، مهما بلغ من العمر. لم يكن رامبو شاعراً استثنائياً حسب، إنما هو الذي «هزَّ العَالمَ من أذنيه» بتعبير هنري ميلر.
ومع أن دراسة سامي مهدي تنفي مشاركة رامبو في كومونة باريس، مثلما تنفي قضية هروبه من الجيش وتخفيه في الأزقة والحارات، حتى لحظة هروبة من باريس، إلا أنني، وفي كل اجازة دورية، كنت أقضيها في البيت قادماً من جبهة الحرب مع إيران، حيث سيق بي اليها، كنت جاداً، أفكر بالحفرة التي ينبغي عليَّ حفرها، في رقعة بستاننا الكبير، الحفرة التي ظننتها المكان الوحيد، الذي يعصمني من مطاردة رجال الامن والاستخبارات. كانت فكرة الهروب من الجيش تراودني بناء على فكرة الهروب الرامبوية تلك، كانت الاحراش والغابات العميقة والسواحل البعيدة، وكانت الصحراء القائظة، التي بين البصرة والكويت والمضي مع قوافل المهربين حلماً باذخاً، قلما أفقتُ على سواه.