حسين الصدر
1
مَنْ منّا لم يسمع أو لم يقرأ شيئا من تاريخ الطبري، الذي يعدّ من أشهر المؤرخين؟
ويعد أيضا من أشهر المفسّرين، وللتاريخ والتفسير حكاية طريفة جاءت في سير أعلام النبلاء للذهبي ج14 ص 274 -275 وهي :
« إنّ أبا جعفر الطبري قال لأصحابه :
هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم الى وقتنا ؟
قالوا :
كم قدرُه ؟
فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة فقالوا :
هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامِهِ
فقال :
إنا لله !
ماتت الهِمم ،
فاختصر في نحو 3000 ورقة .
ولما أراد أن يُملي التفسير قال لهم نحواً من ذلك، ثمّ أملاه على نحو من قدر التاريخ”
2
وجاء في سيرته :
إنّه عُرضَ عليه القضاء فرفض، وأرسلَ الوزير الخاقاني له مالاً كثيراً فامتنع من قبوله …
وطمعوا في قبوله للمظالم فلم يكنْ كما أرادوا..!!
وكلّ ذلك يشي بأنّه لم يكنْ محبّا للمناصب، ولم يكن مستجيبا لشتى الرغائب …
وأين اللاهثون وراء السراب من هذه الصفات؟
3
هذا وقد مرتْ به فترات حرجة باعَ فيها حتى ثيابه..
(المصدر السابق/ 271)
فقال له بعض أصدقائه :
تنشط لتأديب بعض ولد الوزير أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان؟
قال : نعم
فمضـى الرجل، فأحكم له أمره، وعاد فأوصله الى الوزير بعد ان أعاره ما يلبسه، فقرّبه الوزير ورفع مجلسه وأجرى عليه عشرة دنانير في الشهر فاشترط عليه أوقات طلبه للعلم، والصلوات، والراحة، وسأله إسلافه رزق شهرٍ (اي طلب دفع الراتب الأول مقدّماً) ففعل، وادخل حجرة\ التأديب وخرج اليه الصبي – وهو أبو يحيى فلما كتَّبَهُ، أخذ الخادم اللوح ودخلوا مستبشرين، فلم تبق جارية الاّ أهدت اليه صينيّة فيها دراهم ودنانير فرد الجميع، وقال :
قد شورطت على شيء فلا آخذ سواه ..!!
وحين علم الوزير بذلك عَظُمَ في عينه …
4
نعم
لقد كان الطبري عالي الهمّة، فقد جمع طريق حديث غدير خمٍّ في أربعة أجزاء
قال الذهبي :
رأيتُ شطره فبهرني سعة رواياته وجزمتُ بوقوع ذلك
لقد قال رسول الله (ص) يوم الغدير :(من كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاه. اللهمَّ والِ من والاهُ وعادِ من عاداه)
المصدر السابق / 277
وقال الشاعر المعاصر :
قال رسولُ اللهِ والقولُ جلي
مَنْ كنتُ مولاهُ فمولاهُ علي
5
لقد قلنا إنّ للطبري وجهاً آخر وهذا الوجه هو شِعْرُه الرائق الذي قلّ أنْ يُذكر به
ولا يسعنا في هذه المقالة الوجيـزة إلّا ايراد أنموذجين فقط من شعره :
الأول: يتعلّق بموقفه من الأصدقاء
والثاني: يتعلّق بوصاياه الأخلاقيّة
أمّا الأول فقوله :
اذا أعسرتُ لم يعلمْ رفيقي
وأستغني فيستغنى صديقي
حيائي حافظٌ لي ماءَ وجهي
ورفيقي في مطالبتي رفيقي
ولو أنّي سمحتُ بماءِ وجهي
لكنتُ الى العلى سهلَ الطريقِ
والأبيات تقطر رقة وعذوبة وترسم صورة مثالية للصديق الصدوق .
وأما الثاني فقوله :
خُلقان لا أرضى فعالَهَما
بَطَرُ الغنى ومذلةُ الفَقْرِ
فاذا غنيتَ فلا تكنْ بَطِراً
واذا افتقرتَ فَتِهْ على الدهرِ
راجع تاريخ بغداد ج2 / ص165
أقول :
إنّ بطر الاغنياء يدعوهم الى صرف مئات الآلاف ربما الملايين على حفلات زواج اولادهم، بينما الملايين من البائسين والمستضعفين يتضورون جوعا وحرمانا ..!!