زهير الجزائري
أمشي في الكرادة وأنا أسأل نفسي بين زحمة البضائع وزحمة الشارين: ماذا افعل هنا؟أتيه وأتيّه نفسي بين كثرة البضائع وتنوعها وبين زحمة الناس وأسال: ماذا أفعل هنا؟ ثم استجمع بصري وبصيرتي من التيه و آمر نفسي : غادر شهوة الامتلاك ..تفرج وخلي الكلمات لاحقاً! بين المتزاحمين أسير مثل أفعى فقدت ذيلها.اثبت خطواتي في الفراغات تائهاً بين البضائع ووجوه الشارين.
أتطلع في الوجوه وأنا أتعداها بسرعة. يختلف الأمر هنا عن المقهى. هناك أمدّ ساقي باسترخاء واتابع بائع الزمارات حتى يختفي تحت قبعته، وأثبت عيني على هذا النازف من جبهته غير عابئ بالدم وقد خطف السيكارة من يدي، أميز شيخوخة من صبغ شعره ونسي شاربه، المتباهي الذي يريد أن يلفت انتباه كل من تغافل عنه…في الشارع ، حين تسير وسط الزحام أو ضده عليك ان تلتقط انطباعك بسرعة كما العصفور .. ابن المحلة الكهل الذي خرج ليشتري الخضار وهو ما يزال بروب البيت، البنت البدينة القبيحة التي تتظاهر بالقرف من كثرة المتحرشين، أو التي تتلوى من ضيق البنطلون الذي جسّد عجيزتها .. كثير من الرغبات المكبوتة، كثير من الأحلام التي تفلت حين توشك أن تتحقق، كثير من الضيق من جمال الأشياء القريبة والصعبة النيل.
أحاديثي مع الباعة بجمل خاطفة. أشير باصبعي إلى الحذاء على الأرض:
– الحجم؟
– اثنين وأربعين.
التفت للماشين الذين قطعت طريقهم.
-أكبر قليلاً؟
ومع سائق التاكسي ستكون الحوارات مثل الإشارات:
– دار الأزياء…
– زيونة؟
اسخر من سؤاله، هناك دار أزياء واحدة، وهي زائدة عن اللزوم..الزحام لا يحتمل الوقوف الطويل.كل شيء ينبغي أن ينجز بسرعة. لاحقاً أسال نفسي، لم لا نستخدم هذه الحوارات القصيرة في رواياتنا؟
أسير بين صفين. الباعة القدماء إلى يميني وأصحاب البسطات الى يساري حائر بين جمال وثبات الترتيب في الواجهات الزجاجية وبين جمال الفوضى في البسطات المفروشة على الأرض كأنها لقى.
على يميني دكاكين الباعة القدماء.…جلسوا خلف طاولاتهم باسترخاء على يقين تام بأن الزبون سيأتي بالتأكيد . كبروا مع دكاكينهم وبضائعهم، كبروا مع زبائنهم وعرفوا مطالبهم ..بينهم علاقة قديمة تتعدى البائع والشاري، كلاهما يعرف ذائقة الآخر وما يريد. أراهم الآن وهم بأناقتهم القديمة. يراقبون الشارع بنظرات خائفة. السيارات المفخخة هزت أمانهم و أفلت زجاج الواجهات شظايا عكست شكل البضائع للمرة الأخيرة و هي تشق الفضاء. مع الإنفجار أفلت منهم المكان وافلتت ألفته.
وحتى دون انفجار أفلت منهم الزمان الأمين. عام ٢٠٠٦مررت بهذا المكان الواقع بين باعة الذهب وباعة الفجل. على الرصيف وفي عرض الشارع تناثرت أجزاء من اجساد المانيكانات التي كانت تقف بثبات في واجهة دكان زجاجية. حين وصلت الى موقع المذبحة توقفت لأجمع الأشلاء بعينيّ. رأس على الرصيف و آخر تدحرج الى عرض الشارع ويد علقت بأكمام القميص الذي كانت ترتديه. مامن دم لهذه الدمى البلاستيكية، لكنها أحالتنا لأجساد قتيلة وقد منحتها المجزرة سمة نساء حقيقيات جمد الموت تعابير الألم على وجوههن. نظرت الى البائع الواقف بباب دكانه مصفراً تجمد الخوف في وجهه . لم يصحُ بعد من صدمة المذبحة. لقد مر القتلة وتوقفوا أمام الواجهة . حطموا الزجاج وقطّعوا نساء الواجهات وتركوا لافتة (مخالف للزي الشرعي).
تاه الباعة قبل الانفجار وبعده و فقدوا المكان والزمان. سابقاً كانوا يمتلكون الرصيف أمامهم. فقدوا الأرصفة حين احتلها باعة جوالون لا يعرف أحد أسماءهم ، ينافسونهم ويخيفونهم. يبدو لهم هذا الآخر طارئاً لا اسم له ليضعه على الواجهة ولا يعرف أحد من أين أتى ومتى يغادر. وجوده الطارئ يوحي بالخطر. أغادر الغرض من هذا التجوال واقول لنفسي ( أنا أتجول دون غرض ولا أنتظر شيئاً). أمشي والتفت خلفي وإلى يساري متهجساً المهندس الجهنمي الذي يتابعني وهو يقرأ آيات الموت. متى سيقولها بصوت مسموع: الله أكبر ! ثم يضغط على زر التفجير؟
أعبر الشارع نحو الرصيف الأيمن وأتوقف لثوان في مركز الفاجعة فيرفعني الانفجار عالياً،عالياً، عالياً دون أن ان اتناثر أو تنزل أشلائي ثانية الى الأرض. على الجانب الثاني وقف أربعة شبان في دائرة شبه مغلقة. توقفوا فجأة عن الكلام بانتظاري لأسألهم:
-ما الذي حدث؟
تلفتوا لبعضهم باستغراب ثم أحالوني لأوسطهم.
– لا اريد أن اتحدث. التذكر يؤذيني.
التذكر يعرقل الحياة هنا بين ناس الكرادة، فقد مرّنوا أنفسهم على سرعة النسيان.. على عجل يكنسون شظايا الزجاج وبالماء المتدفق، يغسلون الدماء ويعيدون ترتيب الاشياء، وخلال ايام يعيدون الواجهات بألوان مختلفة.النسيان حرفتهم لكي يستمروا في الزمان والمكان، حتى ولو بقيت في الروح شظية موجعة.
كان (عمار) في السابعة والعشرين من عمره حين حدث الانفجار في الساعة الواحدة بعد منتصف يوم ٣ تموز ٢٠١٦. واقفاً في هذا المكان بالتحديد وسط زحمة المتسوقين قبل يومين من العيد. يتطلع باتجاه اليمين حين اقبل الانتحاري الذي يقود سيارة ميني باص.. كبّر واغلق عينيه وضغط على الزر. عصف الانفجار دفع عمار الى الخلف مثل شيء لا وعي له التصق بالجدار.
اللهب أحاط بكل شيء، لهب مصفر فجر قناني العطور في السوق المقابلة. اللهب صهر أجساد الباعة والمشترين. دار عمار دورة طويلة ليبحث عن اخوته في السوق المقابلة. لقد صهر اللهب اجسادهم وأغلق عليهم كل أبواب النجاة. عليك أن تتسلح بالنسيان وانت تسير في شوارع الكرادة خطوة مرتبكة للتذكر، لمحة من التذكر، تطرد الصور كما تنشّ كابوساً، ثم خطوة نحو النسيان.. لقد أزيل سخام المأساة بواجهات البضائع … النسيان أجمل هدايا الله لمخلوقاته، كأن الذي حدث لم يحدث أصلاً